لأولي الألباب

لأولي الألباب
د. هاشم غرايبه

“د. روبرت كرين” الذي عمل مستشارا للرئيس “نيكسون” للشؤون الخارجية، الذي يبلغ الآن 91 عاما، شهدت حياته تحولا جذريا حينما كلفه الرئيس بتلخيص بحث طويل قدمته له المخابرات الأمريكية، لأنه كان يحتوي على مئات الصفحات ولا يتسع وقته لقراءتها، كما لا يمكنه إهمال أي جزء كونها تتعلق بموضوع هام كان يرغب في معرفة الكثير عنه، وهو ما يسمونه بالأصولية الإسلامية.
د. كرين كان باحثا أصلا، ويحمل شهادتي دكتوراه في القانون العام والقانون الدولي، ويتقن ست لغات، ويرأس جمعية هارفارد للقانون الدولي، وقبل أن يختاره الرئيس “نيكسون” مستشارا، كان نائبا لمدير الأمن القومي في البيت الأبيض.
رغم ثقافته الواسعة فلم يكن يعلم عن الإسلام غير الصورة النمطية الغربية المشوهة، التي لا تعتبره دينا سماويا، بل مجرد معتقد عربي متخلف، لكن التقرير الذي أعده خبراء ليقدم الى الرئيس كان يحتوي على معلومات وثائقية، وليس معدا كنشرة إعلامية تضليلية موجهة.
كانت المعلومات مفاجئة له، وبدلا من تلخيصه توجه الى التوسع، فقرأ كتبا واستمع الى محاضرات، مما غير قناعاته، فأعلن عام (1981) إسلامه وغير إسمه ليصبح “فاروق عبدالحق”.
وبالطبع تعرض الى حملات من المضايقة والتشكيك في سلامته العقلية، كدأب كل معادي منهج الله منذ الأزل باتهام المؤمن بالجنون أو السحر، ولو كانت دولة “قطر” في تلك الأيام لها وجود بصورتها الحالية، لاتهم بالعمالة لها.
لكنه ككل من دخل الإيمان قلبه، لم يتأثر بأي من ذلك، بل ترك المناصب السياسية من أجل أن يخدم مبدأه الذي اقتنع به، وكرس جهده للإهتمام بمستقبل الإسلام في أمريكا الشمالية، وهو عضو نشط في الاتحاد الإسلامي في أمريكا الشمالية ISAN .
وهو حين يوجه النقد إلى الغرب لنظرته المنحازة والقاصرة تجاه الإسلام، فانه يوجه اللوم إلى كثير من المسلمين الذين يعيشون في الغرب ولا يتمثلون مبادئ الإسلام ولا تعاليمه، بل وفق النمط الغربي، فلا يكونون سفراء له جاذبين، كما فعل المسلمون الأقدمون في جنوب شرق آسيا.
أوردت هذه القصة للدلالة على أمرين:
1 – هنالك فطرة إيمانية موجودة في كل النفوس، ما يحول دون نموها ووصولها الى درجة التأثير في القناعات الوجدانية للشخص وصولا به الى الإيمان، هي جملة من الظروف الضاغطة التي يصنعها معادو منهج الله لكي تؤدي الى التوجيه المضلل الكابت لهذه الفطرة كالبيئة والتربية والثقافة.
وإذا أضفنا إليها مسعى خبيثا وهو صناعة عقيدة مزورة موازية لمنهج الله، وهي منهج الوثنية والشرك، يوهمون بها من كانت لديهم الفطرة الإيمانية طاغية، وتكون نفوسهم قلقة تبحث عن سر الخلق، فيشغلونهم بهذه العقيدة عن البحث عن العقيدة الحقيقية والتي يصورونها لهم بصورة منفرة.
رغم كل ذلك، تجد قلة يتمتعون بدرجة عالية من الوعي، وقدرة جبارة على الخروج من الحصار المحكم للعقول، فتقفز من فوق السياج، وتنتقل الى المنطقة المحظورة …الإسلام.
2 – الأمر الثاني هو أن الباطل قد ينخدع به كثيرون، ولمدة طويلة، لكنه زاهق لامحالة، بدليل اقتراب انهيار الصورة المزورة لحضارة الغرب، التي دأب أتباعهم عندنا: (الأنظمة الحاكمة) ومريدوهم لدينا (الفرق العلمانية على اختلاف مسمياتها الفرعية)، على تزيينها كبديل أفضل لمنهج الله، ويتخذون من تفوقهم العسكري حجة على صوابية منهجهم، فعملوا طوال القرن الماضي ككاسحات ألغام تزيل العقبات أمام الهجوم الاستعماري الشامل للسيطرة على ديار المسلمين نهائيا، والذي لن ينجح إن لم يسبقه غزو ثقافي حضاري، واستبدال ثقافتهم بثقافتنا.
يكفي لإسقاط وهم التبجح بالقيم الديمقراطية، موقفهم من انقلابات العسكر على الأنظمة التي يسمونها ديمقراطية، فبعد يومين من إعلان “بايدن” أن سياسته الخارجية في العالم مبنية على حماية الديمقراطية، وقع انقلاب عسكر “ميانمار” على حكومتهم المعتبرة في عرف الغرب ديمقراطية، لكن ردة الفعل الغربية اقتصرت على استنكار مهذب ونقد خجول، وتوقفت إجراءاتهم عند مناشدة مائعة لعودة النظام المنتخب، تماما مثلما حدث عند إنقلاب العسكر على “مرسي” المنتخب ديمقراطيا، لكن لم تمضي إلا سويعات حتى صرحوا أن هذا الإنقلاب هو استعادة للديمقراطية!، وليتبين أنه ممول من عملائهم واتباعهم.
هذا واحد من الأدلة العديدة على زيف تبجحهم باحترام حقوق الإنسان، فما هي الا تظاهر كاذب، ووسيلة للتدخل في شؤون الغير.
البشر لا يمكن أن يكونوا أوصياء عادلين على غيرهم، الخالق فقط هو الوكيل بلا تحيز، ومنهجه هو ما يحقق ذلك.

اقرأ أيضاً:   المغدورة فرس حاتم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى