موقف عمومي

موقف عمومي
د. هاشم غرايبه

مصطلح الإتجار بالدين، عبارة تستعمل بإسراف، وهي التهمة الأسهل التي يرمي بها معادو الدين خصومهم المسلمين، بقصد التشكيك في صدق تدينهم، لكنه في الوقت نفسه اعتراف ضمني منهم بأن التدين سلوك أخلاقي حميد يحقق الاحترام ويستوجب الثقة.
في حقيقة الأمر، التدين لا يحقق مكسبا تجاريا، فقد انقضى عهد بيع صكوك الغفران الأوروبية ومفاتيح الجنة الإيرانية، ما ينتفع به المتظاهر بالدين رياء هو كسب الثقة بأمانته وصدقه، لكن ذلك الخداع لا يدوم طويلا، فسرعان ما ينكشف بالتجريب.
في مقاربة أولية، ربما لا يجادل حتى معادو الدين في أنه خير كله، وأن اتباعه والإلتزام بتعاليمه فيه نفع للفرد والمجتمع، الجدل ينصب فقط على سوء استغلاله وحرفه عن مقاصده.
عند التعمق في بحث هذا الأمر، يجب معاينة كافة الجوانب، والمسألة الأهم هي لماذا أوجده الله وما هي الغاية منه.
لا شك أن البشر لا يمكن أن يلموا بحكمة الخالق ولا بمقاصده من أفعاله إلا بحدود ما أخبرنا به، وقد أعلمنا أنه أنزله للناس هدى ليرشدهم الى ما فيه خيرهم وفلاحهم، مما لم يكونوا ليتوصلوا إليه بعلمهم المحدود وإدراكاتهم الحسية القاصرة، كما أنه جعل تشريعاته معيارا مرجعيا ثابتا يحدد الصواب من الخطأ، رحمة بهم من أن يأكل القوي الضعيف أو يظلم الفاجر البار منهم.
ورغم أن الله خلق الإنسان مزودا بمعيار فردي فطري هو الضمير، إلا أن فعاليته في ضبط السلوكات الخاطئة محدودة ومتباينة بين فرد وآخر بحسب التربية والبيئة والظروف، سيما وأن هنالك في النفس البشرية دافع فطري قوي يعارضه وهو الأنانية والتي هي متطلب ملازم للحاجة الأساسية الأولى وهي غريزة حب البقاء.
والخالق المدبر هو الذي خلق الإنسان وأراده هكذا: جملة من الدوافع المتعارضة، لكنها في النهاية تشكل توازنا مستقرا في النفس، يحكم العقل والفؤاد والجوارح، لتصدر عن الشخص أفعال وأقوال محددة.
ولأنه أعلم بما خلق وكيف خلق ولماذا خلق، لذا كل ذلك معروف للخالق:”وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ” [ق:16]، ولأنه تعالى “يَعْلَم السّرّ وَأَخْفَى ” (السر هو ما يطلع المرء عليه شخص آخر ويطلب منه كتمانه، والأخفى من ذلك هو الذي يضمره فلا يعلم به غيره)، لذا فلا يخفى عليه شيء.
إن الركون الى الضمير ليس كافيا لضبط سلوكات البشر، قد يكون عند البعض حياً، لكن الصلاح هنا نسبي، وتقدير درجة الصلاح من الفساد متباين بين فرد وآخر، لذلك فالمرجعية الثابتة هي مدى تطابق حكم الضمير مع حكم الشريعة، فإن تطابقا فخير، وإن تناقضا فيعني ذلك انحرافا من الضمير.
لذلك لا غنى عن الدين كونه مرجعية تشريعية موحدة للبشر، وإليها يعود الحكم فيما نال الضمائر الفردية من انحراف أو زيغ.
هكذا يتبين لنا أن الدين ضرورة لازمة للصلاح والفلاح، وليس ترفا أخلاقيا وادعاء بالطهرانية، بل متطلب للحياة الإنسانية القويمة، ورافضه هو رافض للإستقامة وراغب في التحلل من الإلتزامات الأخلاقية التي تمنع الإنسياق وراء النزعات البدائية والرغبات الحيوانية الأولية.
من هنا نفهم مدى صدقية التسمية الشعبية لذلك الشخص بـ (قليل الدين) التي هي صنو لقليل الأخلاق.
وبالضرورة فإن (قليل الدين) هو منعدم الضمير لأنه ما كان له أن يأتي تلك الموبقات التي يُحرّمها الدين لو كان ضميره ما زال حياً.
قد يسأل سائل: كيف تفسر إذاً أن كثيرا من غير المتدينين ومن أمم غير مسلمة، هم على خلق رفيع، فيما تجد مسلمين لكن أخلاقهم وضيعة؟
الحقيقة هو في أنه ليس كل من صام وصلى وزعم أنه مسلم هو مؤمن، كثير من المسلمين يعتقدون أنهم مؤمنون لمجرد أنهم يؤدون الفرائض ويطيلون اللحى ويكثرون من التهليل والتسبيح، لكن ايمانهم لا يتجاوز التراقي.
العلامة الفارقة للمؤمن هي الأخلاق والتعاملات، وأدنى شُعَبُ الإيمان هو إماطة الأذى عن الطريق، ويرتفع الإيمان درجة درجة بمقدار حسن الأخلاق ولين المعشر وطيب التعامل مع الآخرين.
لذا تجد من يدخل الإسلام من الأجانب عبارة عن كتلة من الأخلاق تسير على قدمين، ذلك لأنه استكمل الخُلق القويم بالإيمان فأسلم.
أبلغ تعريف للدين بأنه المعاملة، وللمسلم بأنه من سلم الناس من لسانه ويده.

اقرأ أيضاً:   التدخلُ الفلسطيني المحمودُ والتدخلُ المرفوضُ
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى