من كل بستان زهرة (7)

من كل بستان زهرة (7) – ماجد دودين


روي أن #لقمان #الحكيم قال لابنه: (أي بني، أيّ شيء أقّل؟ وأي شيء أكثر؟ وأي شيء أحلى؟ وأي شيء أبرد؟ وأي شيء آنس؟ وأي شيء أوحش؟ وأي شيء أقرب؟ وأي شيء أبعد؟ قال: أما أقل شيء: فاليقين، وأما أي شيء أكثر: فالشك، وأما أي شيء أحلى: فروح الله بين العباد يتحابون بها، وأي شيء أبرد: فعفو الله عن عباده، وعفو الناس بعضهم عن بعض، وأي شيء آنس: حبيبك إذا أغلق عليك وعليه باباً واحداً، وأي شيء أوحش جسد إذا مات، فليس شيء أوحش منه، وأي شيء أقرب: فالآخرة من الدنيا، وأي شيء أبعد: فالدنيا من الآخرة)


سهِّل على نفسك الأمورا … وكن على مرّها صبورا

وإنْ ألمَّت صروف دهر … فاستعن الواحد القديرا

فكم رأينا أخا هموم … أعقب من بعدها سرورا

ورب عسر أتى بيسر … فصار معسوره يسيرا


[العمل]

العمل الصالح شرف وكرامة، وفضل واستقامة، فهو أساس الخير، وطريق الفلاح، وسبب النجاح، وثمرته الثواب في الدنيا والأخرى، وخير الناس من حسُن عمله، وسلم من الشرور، وخير الأعمال ما رفع به صاحبه، ونفع اخوانه، ورضي عنه ربه، والعاقل يعتمد على عمله، والجاهل يعتمد على أمله، وفي الحديث الشريف أنه صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن خير الناس فقال: (مَن طالَ عُمُرُهُ، وحَسُنَ عَمَلُهُ. قالَ السائل: فأيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قالَ: مَن طالَ عُمُرُهُ، وَساءَ عَمَلُهُ.)


إِصبِر قَليلاً فَبَعدَ العُسرِ تَيسيرُ … وَكُلُّ أَمرٍ لَهُ وَقتٌ وَتَدبيرُ

وَلِلمُهَيمِنِ في حالاتِنا نَظَرٌ … وَفَوقَ تَقديرِنا لِلّهِ تَقديــــــــرُ


الشكر يديم النعمة، ويزيل المحنة، فتجارته رابحة، ومكاسبه فاضلة، وقد عرّف العلماء شكر الله بأنه: ظهور نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافاً، وعلى قلبه شهوداً ومحبة، وعلى جوارحه انقياداً وطاعة وقيل الشكر صرف النعم فيما خلقت له، واستعمالها فيما شرعت لأجله.

فلسان الشاكر مشغولٌ بالثناء على ربه، معترف بنعمه، وقلبه مملوء بحب الله، وجوارحه مشغولة بطاعة الله، لهذا كان الشكر من مظاهر العبادة التي دعا إليها القرآن، قال جل شأنه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}

اقرأ أيضاً:   هل لنا ان نتعلم من تجارب الأخرين

إِذا جَدَّدَ اللَهُ لي نِعمَةً … شَكَرتُ وَلَم يَرَني جاحِداً

وَلَم يَزَلِ اللَهُ بِالعائِداتِ … عَلى مَن يَجودُ بِها عائِداً


إِذا كُنتَ في نِعمَةٍ فَاِرعَها … فَإِنَّ المَعاصي تُزيلُ النِعَم

وَحافِظ عَلَيها بِتَقوى الإِلَهِ … فَإِنَّ الإِلَهَ سَريعُ النِّقَم

فَإِن تَعطِ نَفسَكَ آمالَها … فَعِندَ مُناها يَحِلُّ النَدَم

فَأَينَ القُرونَ وَمَن حَولَهُم … تَفانوا جَميعاً وَرَبّي الحَكَم

وَكُن مُوسِراً شِئتَ أُو مُعسِراً … فَلا بُدَّ تَلقى بِدُنياكَ غَمّ

وَدُنياكَ بِالغَمِّ مَقرونَةٌ … فَلا يُقطَع العُمرُ إِلا بِهَمّ

حَلاوَةُ دُنياكَ مَسمومَةٌ … فَلا تَأَكُلِ الشَهدَ إِلا بِسُمّ

مُحامِدُ دُنياكَ مَذمومَةٌ … فَلا تَكسَب الحَمدَ إِلا بِذَم

إِذا تَمَّ أَمرٌ بَدا نَقصُهُ … تَوَقَّ زَوالاً إِذا قيلَ تَمّ

فَكَم آمِنٍ عاشَ في نِعمَةٍ … فما حَسَّ بِالفَقرِ حَتّى هَجَم

وَكَم قَدَرٍ دَبَّ في غَفلَةٍ … فَلَم يَشعُرِ الناسَ حَتّى هَجَم


أَيُّها العُمّالُ أَفنوا الـ … ـعُمرَ كَــــــــدّاً وَاِكتِسابا

وَاِعمُروا الأَرضَ فَلَولا … سَعيُكُم أَمسَت يَبابا

إِنَّ لي نُصحاً إِلَيكُم … إِن أَذِنتُــــــــم وَعِتابــا

في زَمانٍ غَبِـــــيَ الناصِــحُ فيهِ أَو تَغابــــــى

أَينَ أَنتُم مِن جُدودٍ … خَلَّدوا هَذا التُرابــــــــــا

قَلَّدوهُ الأَثَرَ المُعـــــــجِزَ وَالفَـــــــــنَّ العُجابــــا

وَكَسَوهُ أَبَدَ الدَهـــــــــــــرِ مِنَ الفَخرِ ثِيابــــــــا

أَتقَنوا الصَنعَةَ حَتّى … أَخَذوا الخُلدَ اِغتِصابـــا

إِنَّ لِلمُتقِنِ عِندَ … اللَهِ وَالنـــــــــاسِ ثَوابـــــــــا

أَتقِنوا يُحبِبكُمُ اللَــــــــــــــــــــــهُ وَيَرفَعكُم جَنابا


إذا المرء لم يطلب معاشاً لنفسه … شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا

فسر في بلاد الله والتمس الغنى … تعش في يسار أو تموت فتعذرا


لا تقْعُدَنّ على ضُرٍّ ومسْغَبَةٍ … لكيْ يُقالَ عزيزُ النّفسِ مُصطَبِرُ

وانظُرْ بعينِكَ هل أرضٌ مُعطّلةٌ … منَ النّباتِ كأرضٍ حفّها الشّجَرُ

فعَدِّ عمّا تُشيرُ الأغْبِياءُ بهِ … فأيُّ فضْلٍ لعودٍ ما لهُ ثمَرُ

وارْحَلْ رِكابَكَ عن ربْعٍ ظمئتَ به … إلى الجَنابِ الذي يَهمي بهِ المطَرُ

واستَنزِلِ الرّيَّ من دَرّ السّحابِ فإنْ … بُلّتْ يَداكَ بهِ فليَهنِكَ الظّفَرُ

وإنْ رُدِدتَ فما في الرّدّ مَنقَصَةٌ … عليكَ قد رُدّ موسى قبلُ والخَضِرُ

اقرأ أيضاً:   في ذكرى مشروع لم يكتمل.. وصفي، ووصفي للوطن

(اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا)

البكور في طلب الخير خير، فالعاقل من الناس من يتنسم نسيم الصباح، ويبكر في عمله، فكل عمل يبتدأ به في البكور اتقن وتم، فإن التبكير يجلب الخير، ويكثر الربح، ويزيد في انجاز الأعمال واتمامها، والغفلة وقت الصبح تأخر الكسب، وتعطل السير في العمل، وتدعو إلى الكسل والفتور، وتضيع فرصة التقدم، والاتفاق على بدء العمل والسير فيه، فمن تأخر في النوم حتى تشرق الشمس جمد فكره، وخمدت قريحته، وضل تدبيره، وتأخر عمله، وحرم من نسيم الصبح العليل البليل، ومن سعة الرزق الوفير الغزير، وفي الحديث النبوي عن صخر الغامدي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا) ، وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلاً تَاجِرًا وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ.

قال الشاعر:

أَيُّها الغادونَ كَالنَحـ … ـلِ اِرتِياداً وَطِلابا

في بُكورِ الطَيرِ لِلرِز … قِ مَجيئاً وَذَهابا

اِطلُبوا الحَقَّ بِرِفقٍ … وَاِجعَلوا الواجِبَ دابا

وَاِستَقيموا يَفتَحِ اللَـ … ـهُ لَكُم باباً فَبابا

إِنَّما العاقِلُ مَن يَجـ … ـعَلُ لِلدَهرِ حِسابا

فَاِذكُروا يَومَ مَشيبٍ … فيهِ تَبكونَ الشَبابا

إِنَّ لِلسِنِّ لَهَمّاً … حينَ تَعلو وَعَذابا

فَاِجعَلوا مِن مالِكُم … لِلشَيبِ وَالضَعفِ نِصابا

فمن تدثر الخمول، ونام في البكور؛ فقد أحرم نفسه من بركة دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وضيع وقته وترك الحزم، وتجافى عن العزم.


((لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ))

لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وفضله على كثير من الخلق أجمعين، وزينه بالجمال فتبارك الله أحسن الخالقين، واسجد له الملائكة أجمعين فقال سبحانه: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} (3) ، وقال جل شأنه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (4) ، فسبحان من خلق الجمال في العيون، وجعل في روعة خطرتها سحر تكاد له النفس تذوب، وفي طرفها حور يجرح القلوب قال الشاعر:

اقرأ أيضاً:   لماذا نعشق وصفي

في عيون المحب أحرف ود … صدرت بالدموع عند الفراق

قتلت أنفساً بنظرة عيـــــــــــــن … وقلوباً مشتاقة للتلاقـــــي

فسبحان من جعل الجمال في الفم وهو بالحسن محبوك، وبالأسنان مسبوك، يرسل الكلمات ويبعث النغمات بلسان فصيح، وصوت مليح، لا ينطق حتى يؤمر، ولا يسكت حتى يزجر، فياله من خلق ما أبدعه، ومن صنع ما أروعه، {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ* وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ}.

وسبحان من جعل الجمال في الوجه بطلعته البهية، وإشراقاته الرضية، قسمات ترسم، وقبلات عليه من البهاء تبسم، خد بماء البشاشة يسيل، وطرف بإيحاء الحسن كحيل، وسبحان من جعل الجمال في قامة الإنسان، وروعة هذا البنيان، أذنان وصماخان، وعينان نضاختان، ويدان منافحتان، ورجلان كادحتان.

للهِ درُّ أُناسٍ قدْ مَضَوا لهمُ … نشرٌ يفــــــــــوحُ كنشرِ المندلِ العَطِـــــرِ

جمالَ ذي الدارِ كانوا في الحياةِ وهمْ … بعدَ المماتِ جمالُ الكتبِ والسيَرِ


من حافظ على الأمانة سلم، ومن أدّاها غنم، فإذا طلبت الخير فاطلبه في أداء الأمانة، وإذا عملت البر فتحر فيه أداء الأمانة، وإذا أردت العز فالزم في سلوكك الأمانة، وأدِّ في مسئوليتك الأمانة، وتعامل مع أهل الصدق والأمانة تفز بفضل الله ورضوانه، فمن لزم الأمانة صلحت أعماله، واستقامت أحواله، واحتاط لنفسه، ومن أدى الأمانة أطاع ربه وصلح أمره، وكان بعيبه بصيراً، ولم تفسد الشهوة دينه، ولم تزل الشبهة يقينه، وفي الأمانة حفظ للكرامة، وأساس للتقوى، وحرز يقي الانزلاق في المعاصي، ويبعد الإنسان عن المخازي، فالزم الأمانة تلزمك الاستقامة، فمن ضيع الأمانة ضاع، وسقط في وحل الخيانة، فلا تتضجر من حفظها وأدائها، ولا تفرط فيها تفرط في حق نفسك، فإن من زرع خيراً حصد أجراً، واستفاد شكراً، ومن وقع في الخيانة عرض نفسه للمهانة، ومن ضيع ذمة اكتسب مذمة


الإنسان بفطرته يحب أن يعامله الآخرون بتقدير واحترام، فإذا أحب أن يكونوا معه أمناء فليكن معهم أميناً، وكفى بالمرء فخراً وعزاً أن يوصف بالأمانة

وَإِنَّ اِمرُؤٌ أَسدى إِلَيكَ أَمانَةً … فَأَوفِ بِها إِن مِتَّ سُمّيتَ وافِيا

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى