ماذا حدث بالقاهرة سنة 88…الجزء السابع

#ماذا_حدث_بالقاهرة سنة 88…الجزء السابع
بقلم فراس الور

وقفت رانيا امام خزانة ملابسها تتأمل اثوابها المعلقة بترتيب في داخلها، كانت تفكر بما هو الأنسب لترتديه الى المطعم الذي دعاها اليه احمد زوجها اليوم مساءا، فكانت المناسبة عزيزة جدا على قلبها، اتفقا ان يتناولا طعام العشاء بليالي الإسكندرية حيث التقيا لاول مرة بعد ان طلب يدها للزواج من اهلها قبل زفافهما بأربعة اشهر، كان المطعم جميل جدا و ملتقى لأشهر عائلات الإسكندرية و اكثرها نفوذا و ثراءا حيث كان اصحابه اولاد ذوات و على علاقة بالطبقة المخملية بمصر، لذلك شعرت ان اجوائه الساحرة ستكون المكان الأنسب للإحتفال بعيد زواجهما، منذ ان تعب زوجها على مائدة الأفطار قررت ان تكون كل مناسبة تخص زواجهما و حبهما مميزة و سعيدة، فكانت تعلم انها تستطيع فعل الكثير لمساعدة احمد من الخروج من دوامة الحزن التي احاطت به مؤخرا من اجواء القضية المريبة التي كان يحقق بها، امسية ساحرة لعيد زواجهما في اكبر مطاعم الإسكندرية و طاولة على تراس مطل على البحر مع هدير الموج الساحر تحت بريق النحوم الوضاءة، ماذا كانت تريد اكثر لعشاء يجمعها مع زوجها و حب حياتها، و بعدها ربما السفر لأسبوع الى قبرص لقضاء عطلة راقية باحد الفنادق الفاخرة، كانت تعلم ان اقناع زوجها لأخذ عطلة كهذه ليس عمل سهل فتكاليفها كبيرة، و لكن مدخراتهم قد تسمح بها و خصوصا ان الشركة السياحية التي تعمل بها قد تعطيهم خصومات كبيرة لأسعار الغرف و تذاكر الطيران، كانت تعلم بقرارة نفسها كم كان احمد بحاجة لرحلة للترفيه و للتسلية، احمد لم يرفض لها طلب الى اليوم إطلاقا لانه كان يحبها بجنون و كانت تراهن على هذا الأمر بالنسبة الى رحلتهم المرتقبة،

ابتسمت حينما وجدت ثوب خمري، كان ثوب رائع ارتدته مرة واحدة فقط الى فرح احد اقربائها منذ شهرين، كان طويل مع فتحة جانبية تصل الى ركبتها، و كان من دون اكمام و ذو قصة صدر ديه كولتيه، و لكن لا بأس فكان معه شال سكني يغطي كتفيها، كانت هنالك حقيبة سكنية من دون شيالات على رف من ارفف الخزانه تناسبه، اخرجته من الخزانه و رفعته قليلا امامها و فردت قماشه من الأسفل لتفكر بأمره، كان فعليا ثوب انيق جدا و مناسب جدا للأمسية ، وضعته على السرير و قررت لبسه كبروفه قبل ان تستحم لتطمئن ان قياسه مازال يناسبها، فشعرت ان وزنها ازداد قليلا مؤخرا لأنها كانت تتناول الحلويات العربية من حين لآخر بعد وجبات الغذاء، فكانت جارتها كاترين تصنعها و تحضر لها طبقين مرة او مرتين بالأسبوع، فكرت في ذاتها و قالت “كاترين ليس لها حل، انها إمرأة سخية و طيبة و لكن ستتسبب بكارثه لقوامي ان لم اتفاهم معها،”

ضحكت قليلا و بدأت بِحَلْ ازرار قميصها، اخرجته خارج تنورتها لتخلعه الا ان احدهم قرع جرس باب الشقة، ترددت قليلا قبل ان تأخذ قرارها فكانت تعلم من على الباب، اغمضت عينيها و قالت في ذاتها “اعني يا رب!” خرجت من غرفة النوم و هي تزرر قميصها من جديد، توجهت الى باب صالة المنزل و نظرت من العين السحرية، قالت في ذاتها “انها هي! ماذا افعل يا إلهي!” حركت يدها نحو الباب و هي مترددة، حركة مفتاح الشقة مرة الى اليمين و قلبها غير مطمئن إطلاقا، فتحت باب الشقة و نظرت و الرعب يملأ قلبها، صرخت بوجهها “انت اهلا بك! اما الذي بيدك!”
صرخت كاترين و علامات التعجب على وجهها “ماذا هنالك يا رانيا! لماذا تصرخين في وجهي!”
قالت بنبرة قلقة و هي تنظر الي يد كاترين وتحرك يدها الى الوراء، “اعوذوا بالله من الشيطان الرجيم! هيا انصرف! انصرف! اذهب بعيدا يا عدو الرشاقة!”
نظرت كاترين الى الطبق الذي بيدها و قالت معاتبة “سامحك الله يا رانيا! هل هذا رد المعروف لانني احضرت لك طبق كبير من البسبوسه بالقشطة، صنع يدي و حيات عيناي،”
ابتسمت قائلة “وزني زاد نصف كيلو بسبب اطباقك الشهية الشهر الماضي، اراني الله بك يوم يا كاترين يابنة ادوراد غالي!”
“طيب انتقاما منك لأنك صرختي بوجهي، سأحضر لك طبق حلويات كل يوم، انشاء الله سيصبح وزنك مئتين كيلو و سيكرهك زوجك و سيتزوج عليك سنيورة جميلة ، و يا رب حينها ستزوري كل حلالين المشاكل بالمجلات و الصحف و ستكتب مشكلتك تحت عنوان أريد حلا…”
اجابت بخوف “فال الله و لا فالك، قلبك اسود لهذه الدرجة، ام ان القصة غيرة لأنك بدينه اكثر مني…”
“جوزي يحبني هكذا، بطة قليلا، بالرغم من انني احسدك على هذا القوام الرشيق يا مغري…يا حلو انت يا من جعلت اكبر ضابط بمديرية الإسكندرية يجري ورائك مثل المجنون…يا طعم انت يا جميل،”
ضحكتا معا ضحكة طويلة، اخذت كاترين الطبق و هي تقول “تفضلي، نسينا انفسنا نتكلم على الباب، تفضلي يا كاترين، انت لا تحتاجين الى رسميات لتتفضلي بالدخول، انت واحدة من اهل المنزل،”
“تسلمي يا رانيا، كنت فقط اريد ان اسأل عليك و اعطيك البسبوسه، صنعتها بالأمس، كان عندنا ضيوف و صنعت كمية كبيرة، تفضلي، انه كبير ليكفي لك و لأحمد بيه،”
“سلمت يداكِ، الن تدخلي؟”
“فرصة سعيدة ثانية انشاء الله، مازلت انظف منزلي من حفل الأمس، سآرآك لاحقا،”
“ساكلمك بالغد، شكرا مرة ثانية،”
سارت كاترين نحو شقتها التي كانت بنفس طابق رانيا، كانت هنالك اربعة شقق في كل طابق من طوابق بنايتهم الخمسة، و كانت احداها لكترين و زوجها الذي كان يعمل مديرا للمحاسبة بشركة خطوط بحرية بالإسكندرية، اما بقية الشقق فكانت لسكان مغتربين في الخليج، كان الطابق هادئا على مدار ثلاثة فصول من السنة لا يسمع به الا اصوات رانيا و كاترين من حين لآخر ما عدا فصل الصيف حيث تعود اليه الحركة و ضجة الإطفال عند عودت اصحاب الشقتين من الخليج برفقة اسرهم، فيمتلأ الطابق بالحياة و ضجيج لهو الأطفال من جديد، لم يكن طابق را نيا الوحيد الذي يشهد هدوءا بهذا الشكل، كان هنالك طابق اسفل شقتها مسكون بالكامل، و لكن الطابق الذي فوقهم كان فارغا ما عدا شقة كان يسكنها فهمي شقيق زوجها، و كان مغتربا في نيويورك بأمريكا مع زوجته و طفليه منذ تقريبا عشرة سنين، كان يأتي لقضاء عطلة الصيف الى القاهرة مرة كل سنتين تقريبا بالرغم من ظروف عمله فما اراد يوما ان يقطع علاقته بمصر كليا، كان يعمل مديرا عام لفندق خمس نجوم مع سلسلة فنادق شهيرة و كان يتنقل كل سنتين او ثلاثة سنين داخل الولايات الأمريكية، لذلك كانت حياته اشبه بالرحالة لا تتمتع بالإستقرار كثيرا، و لكن الذي كان يجزي صبره و تعبه خيرا راتبه فكان يتقاضى دخل ممتازا من الشركة التي يعمل بها،

اقفلت رانيا باب الشقة وراء ضيفتها و توجهت الى مطبخ منزلها، وضعت طبق البسبوسه على الطاولة و عادت الى غرفتها، فكانت قيم المقاومة عندها منخفضة لذلك قررت الهروب قبل ان تفتح يديها جرار المعالق و تخرج معلقة و تأكل بعضا منها، كانت محظوظة بجارة لطيفة و محترمة مثل كاترين فكانت نعمة الصديقة و الونيسه، كانت جارتها منذ اول يوم زواجها من احمد و كانت العشرة و المحبة تزداد بينهما في كل يوم، يكفي انها كانت صاحبة لسان محترم و حسنة السيرة السلوك و تصلي في كل اسبوع بالكنيسة، كانت محظوظة بها خصوصا و انها كانت جارة في نفس الطابق و الوجه بالوجه، قالت في ذاتها “يا رب ان لا ترحل من العمارة و تدوم سكناها بجانبها،”

امسكت رانيا فوطة من رف خزانتها و روب حمام لتستحم فكان الوقت يداهمها، فموعد عودت احمد من عمله اقترب جدا، فتحت باب الحمام لتدخل و لكن توقفت فجأة، استغربت من امر ما، سمعت اصوات طقطقت نعل اتية من الطابق فوقهم، لم تكن متاكدة في بادئ الأمر فكان الصوت بعيدا بعض الشيئ، و لكن مع مرور الثواني اقترب و اصبح مسموعا و كأن احدهم كان يمشي فوق الحمام بالضبط، كان الصوت عبارة عن طقطقت نعل لرجل او إمرأة يسير بسرعة، تسارعت الأفكار في ذهنها عن ماذا يجري فكانت الشقة التي فوق لفهمي، و لكن فهمي كان في نيويورك، و حينما كلمهم في الشهر الماضي لم يخبرهم بنيته السفر الى مصر، ابتعد صوت الطقطة رويدا رويدا و اصبح فوق صالة المنزل، استغربت رانيا بمن يمكن ان يكون في شقة فهمي، توجهت الى صالة المنزل و طلبت مديرية امن الإسكندرية، طلبت مكتب زوجها و لكن لم يجبها احد، نظرت الى الساعة فكانت الخامسة مساءا، تيقنت ان زوجها غادر المديرية و كان بطريقه الى المنزل، قررت قطع الشق باليقين فربما جد امر على فهمي و قرر القدوم الى مصر فجأة، و لكن لماذا لم يتصل بهم ليستقلوه بالمطار؟

غادرت شقتها و اغلقت الباب جيدا ورائها، توجهت الى ادراج العمارة، صعدت الدرج و توجهت الى شقة فهمي، كان الطابق هادئ كالعادة فلم يسمع به الا صوت المصعد و هو يتنقل بين الطوابق المختلفة، سمعت اصوات حديث بعيد بين الجيران باحد الطوابق السفلية فكانت بالطابق الرابع، وقفت امام شقة فهمي و طرقت الباب، انتظرت ليفتح احدهم الباب و لكن عبثا ان تسمع حتى اي حركة بالشقة، ضغطت على زر الجرس و لكن لم تسمع نغمته فتيقنت ان الكهرباء ربما مفصولة، فآخر مرة زار فهمي القاهرة كانت في السنة الماضية، استغربت من الأمر فكانت اصوات طقطت النعل من شقة فهمين حتما كان احدهم بالشقة، طرقت الباب مرة آخرى و صرخت فهمي و لكن لم يجيبها احد، امسكت مقبض الباب و حاولت فتح الباب و لكن كان مقفلا بإحكام، انقبض قلبها في صدرها و قررت العودة الى شقتها و هي في قمة ذهولها عن ماذا كان يحدث معها،

دخلت الشقة و اقفلت الباب ورائها، توجهت الى غرفة نومها و اخدت الفوطة و روب الإستحمام من جديد، ارادت التوجه الى الحمام و لكن شعرت فجأة و بأن هنالك امر مريب في الشقة، لم تدركه في بادئ الأمر فكان ما حدث مع شقة فهمي يهيمن على فكرها، انقبض قلبها في صدرها مرة ثانية حينما قررت الذهاب الى صالة المنزل فلم تكن مرتاحة إطلاقا لأمر ما، نظرت الى باب الشقة و ادركت انها اغلقته و هي صاعدة الى شقة، تذكرت انها دخلت ثم اغلقته ورائها، سيطرت عليها حالة خوف فجأة فهذا دل على ان احدهم فتح باب الشقة و دخل اليها، اصيبت بنوبة ارتباك جعلها تتوجه الى غرفتها من جديد و لكن توقفت على مدخل ممر الشقة المؤدي الى الغرف من الصالة و فكرت في ذاتها قائلة “ربما علي الإتصال بأحمد، و لكنه بالطريق و مشغول بالقيادة”، فلم تريد ارباكه بإتصال الى هاتف سيارته الاسلكي، فجأة اتتها فكرة جيدة، يمكن لها الذهاب الى جارتها كاترين لتجلس عندها ريثما يصل أحمد، و لكن قبل ان تحرك ساقيها لتسير نحو الباب شعرت بنسمة دافئة على رقبتها، شعرت و كأن احدهم يتنفس ورائها…صرخت من شدة الخوف “ابتعد عني!” و جرت بكل طاقتها نحو باب الشقة، التفتت ورائها فلم ترى احدا بالصالة، خفق قلبها بشدة من حالة الهلع التي سيطرت عليها، فتحت الباب و جرت الى منتصف الطابق و هي تصرخ “كاترين اين انت!!! طرقت باب شقت جارتها بجنون و هي تصرخ “كاترين افتحي الباب!” فتحت كاترين الباب بسرعة و قالت و علامات القلق على وجهها “ماذا اصابك رانيا!”…


جلست داليا سلطان على كرسي امام طاولة بمطعم ملوك الطعمية معدة لشخصين، وقف فريد خلف الكرسي و دفعه بهدوء الى الأمام و هي تجلس عليه ثم استدار حول الطاولة و جلس مقابلها، كان المطعم مليئ بالناس الذين توافدوا لشراء مأكولاته اللذيذة، فوقفت اعداد كبيرة من الزبائن تنتظر دورها امام قسم الإعداد لتستلم وجباتها، و كانت هنالك عائلات تجلس على الطاولات تأكل اطباق الفول و الطعمية و الكوشري الشهية، امتلأ المطعم من روائح التتبيلات الثقيلة و البهارت العطرة و اصوات قلي الطعام، فكانت وجبات الطعمية و المقالي كالباذنجان و البطاطا تستعر داخل أجران الزيوت المغلية، فكانت تحضر بكميات كبيرة لتلبية طلبات زبائن المطعم، تهافت النُدُل لخدمة الطاولات بإهتمام فكان من حين لآخر يخرج احدهم من باب خاص يؤدي الى قسم اعداد الطعام و بيده صينية من اطباق الطعام و المشاريب، بينما كان يهم البعض الآخر لإزالة الأطباق المتسخة بعد ان حاسبة عائلة على الطعام و همة بالخروح، كان المحل اشبه بخلية نحل حينما أومئت داليا لأحدهم ليقترب ليأخذ طلبهم، فكانت معدة داليا تصدر اصوات مسموعة من شدة الجوع،
سأل فريد “هل انت جائعة…”
ردت داليا “جدا يا فريد، فانا اتناول طعام الإفطار في الثامنة مع أمي ثم اتناول بعضا من السكاكر الخفيفة الى ان اتناول طعام الغذاء، و لكن اليوم زيارتي لسوق صور الأزبكية اخذت كل وقتي لدرجة انني لم اتناول شيئا…”
نظر اليها فريد مصدوما من كلامها “الأزبكية؟! كنت بالأزبكية يا داليا؟ ألم تحضري عملية تطويق السوق من قبل الشرطة؟”
توترت داليا فجأة من زلة لسانها، فلم تعرف بما تجيب فريد إطلاقا، اكمل فريد متسائلاً “الم تري العراك بالسوق؟”
أخيرا وجدت حل للمأزق الذي وضعت نفسها به، فاجابت “لم ارى شيئا، ربما حدث هذا الأمر بفترة بعد مغادرتي السوق،”
“لم تخبريني انك كنت بالسوق اساسا حينما اخبرتك بأمر العراك بالمكتب، انا مستغرب منك،”
“لأنه لم يحدث شيئ مريب و انا اشتري الكتب،”
اخذت داليا ابريق ماء من على الطاولة و سكبت كوب ماء لها و لفريد، شربت قليلا لتروي ظمأها ثم اكملت “اين النادل، اشعر بجوع كبير،”
“انها ساعة غذاء و زبائنهم كثيره،” نادا فريد “لو سمحت؟”
ابتسم لهم شخصا متقدم بالسن اشيب الرأس كان يخرج من باب الاعداد، سار إليهم مرحبا “البهناسوي بيه شخصيا، شرفت و نورت يا باشا، منذ مدة لم نراك بالمطعم، المطعم تشرف بكم يا فندم، مكرم عبيد نَوَرْ بالكامل بوجودك يا باشا!”
ابتسم له فريد قائلا “سَلِمْتَ يا عم حنفي، كيف حالك؟ مازلت تعمل هنا؟”
“و الله يا باشا اتذكر آخر زيارة لكم؟ كنت سأستقيل، الرواتب هي هي لا تتغير، و لكن نظرا لخبرتي اتتني ترقية و قررت البقاء، انا مدير الصالة الآن و الحمدلله،”
اجابت داليا “بالتوفيق يا عم حنفي،”
“انت رجل طيب و تستحق كل خير،”
“شكرا يا باشا! شكرا يا ست هانم، الف شكر لكم، طلباتكم؟ هل احضر لكم القائمة؟”
“لا شكرا، انا اعلم ما اريد، طبق فول بالشطة البلدي و طبق طعمية، و طبق به قليل من الطرشي، و فنجانين الشاي لي و لداليا هانم سكر بَرًه،”
“انا شخصيا ارى ان هنالك عائلات تتناول الكوشري، في أخر مرة كنت هنا لم تقدموه لزبائنكم،”
“قرررنا بطلب منهم، اصبحنا نُسْأل عنه كثيرا، فققرت ادارة المطعم جلب طاهي خاص له،”
اجابت داليا و الرغبة تملأ وجهها، “طبق كوشري كبير شطة خفيفه، و لكن بسرعة يا عم حنفي، انا جائعة و رائحة التوابل و القلي تضنيني جوعا،”
“انا خدام المحترمين، خمسة دقائق و ستكون عندكم طلباتكم،”
نظر اليه فريد و هو يمشي ببطئ بسبب كبر سنه، ظهره المنحني بعض الشيئ يعلن للناظر اليه بأن سنينه كثيرة في هذه الدينا، ضحك قليلا، فقالت له داليا “ما المضحك؟”
“رجل مكافح يفضل العمل حتى في سنوه المتقدمة عوض عن مد يده للناس، و ناس لا تستحق نعمة الملايين التي بيدها تملك اموال لا تأكلها النيران، و لا تعلمي كيف صنعوا ثرواتهم، بالحلال، بالحرام، المهم الربح و الغاية تبرر الوسيلة، كيف سيرضى عنا الرحمن، هل رضاه مازال موجودا بهذا العالم؟”
“يا فريد لن تستطيع اصلاح الكون، ناس من الملائكة و ناس من الشياطين، هذه هي الدنيا”
فجأة صرخ سكان المطعم و هم بأماكنهم، نظرا فريد و داليا الى الجلبة التي حدثت على مسافة قريبة منهم، كانوا الأهالي ينظرون على الأرض و يصرخون بصورة عشوائية و كأن كارثة كبرى كانت ترعبهم، نهضا داليا و فريد من اماكنهم و الذعر يصيطر عليهم و حاولا النظر الى ما يحدث و لكن جري الناس بصورة عشوائية و هم يهربون من المطعم حجب ما كان على الأرض، فجأة رأى فريد ما كان هنالك، صرخ بخوف “داليا هيا لنخرج من مخرج زبائن طلبات السفري! انه حنش كبير!”
و لكن قبل ان يتحركا من اماكنهم كان الحنش قد زحف بسرعة كبيرة من مدخل المطعم الى طاولتهم، صرخا داليا و فريد من الخوف من منظره فكان ضخم جدا، تحول صراخ زبائن المطعم و الموظفين الى هيسترية عويل و هم يهربون من مخارج المطعم و امتلأت الأجواء من نداءات النجدة، ارتفعت اصوات تكسر اواني زجاجية من قسم الإعداد و النُدُل يهمون بالخروج مع الزبائن، الحنش كان وحش ضخم بطول سبعة امتار و بسماكة عامود هواتف الشوارع العامة، حاول فريد ضربه بالكرسي فانزعج بشدة و وقف مثل التنين امامه، صرخت داليا “فريد لا تتحرك!”
امسكت داليا كرسي آخر و حاولت ضربه و لكنه تفاداها و تحرك نحوها، اطل احدهم من الخارج ببندقية و حاول تصويبها عليه و لكن كان الحنش يترحك بسرعة بين فريد و داليا فانقض مثل الصاعقة على داليا و ابتدأ بلف جسده عليها، وقعت مثل الفريسة المسكينه بين ثنايا جسده الحديدي و ابتدأت بالصراخ من الألم و الرعب، اطلق الرجل رصاصة نحوه و لكن تحرك الحنش و هو يعصر جسد داليا بخفة تامة فتفاداها، وقف فريد بإرتباك شديد و هو يصرخ للناس بالخارج “اطلبوا الحماية المدنية! داليا حبيبتي!”

امسك سكين من على طاولة و حاول مهاجمة الوحش الذي ابتدأ يشد جسده كل ثانية حول داليا و غرزه بجسده، انتفض الحنيش بعض الشيئ من الألم ثم انقض بإنيابه على فريد و امسكه من خصره، رفعه الى الأعلى و رماه بعيدا، وقع فريد و هو يصرخ على الأرض و تلوى من الألم، ازداد صراخ الناس و هم يشاهدون ما بدى لهم و كأنه تنين يفتك بداليا و فريد، شعرت داليا بأن اجلها قد قرب، ابتدأ الحنيش بعصر جسدها اكثر مع كل زفير كان يخرج منها، تغير لون جسدها من الأعلى الى الأزرق من انعدام وصول الدماء الى صدرها و رأسها، ضعف جسدها و انطفئ صوت صراخها، فجأة سمعت صوت يصرخ لها “سلمي لنا كنوز الملكة، رئيسنا الإنسي يطلبه!”
شعرت داليا بان هنالك شيئ في داخلها على وشك مغادرة جسدها، ابتدأ جسدها ينتفض بشدة من ضغط التنين، شعرت بان الضغط سيبدأ بتكسير اضلاع صدرها، نظرت الى وجه التنين فكان بحجم رأس ثور ناضج، نظرت الى عينيه فرأت نيران ملتهبة تتراقص فيها فجلبت لها ذكريات من ماضي ابتدأ يتوضح في ذهنها، تراقصت منظر النيران بكثافة و ارتفع صوت معركة كبرى حولها، امتلأت اذنيها من صيحات القتال الشرس و ترآت لها رؤيا عن قوم من ازمان عتيقة تتحارب مع كائنات غريبة عن جنسهم البشري، كانت داليا بين الحياة و الموت حينما تخيلت إمرأة بثوب فرعوني على مدخل باب المطعم، و كأنها خرجت من غياهب زمن المعركة التي راتها منذ دقيقة من الزمن، كانت إمرأة جميلة جدا، ابتسمت لداليا ابتسامة خففت من شدة آلامها و هي بقبضة الوحش،

شعرت داليا بالدماء تسيل من فمها، فتيقنت ان هنالك عظام في جسدها مكسورة، كرر الوحش طلبه “سلمي لنا كنوز الملكة يا عاهرة فرعون! رئيسنا الإنسي يطلبه!” فجأة رأت داليا تاج يظهر على جسد المراة، رفعت يديها الى السماء و كأنها تصلي و تطلب امر، نهض فريد عن الأرض بعد ان كان غائبا عن الوعي و وقف على قدميه بصعوبة بالغة، نظر الى داليا و هو يهتز يمنتا و يسارا و صرخ بهلع شديد “داليا تماسكي!” ثم هرب الى الخارج، شعرت داليا و كأن قوتها تعود اليها، ابتدأت بالتعافي رويدا رويدا و عاد اليها ادراكها و اتزانها، فجأة شعرت بقوة فولاذية تجتاح جسدها فحاولت الأفلات من قبضة التينن الضخم، شعر الوحش بقوة داليا فحاول احكام قبضته عليها، انتفض على الأرض و هو يحاول عصر حسدها من جديد و لكن قوة داليا منعته من اتمام حيلته، امسكته بيديها و وقفت على قدميها بالرغم من حجمه الضخم و وسط ذهول من ظنوا انها ماتت، حاول التنين الضغط عليها من جديد فلم يفلح مع قوة داليا فقفزت به نحو واجة المطعم الزجاجية، ارتطمت التنين بواجهة الزجاج فتحطمت الواجهة الى قطع صغيرة، صرخ الناس بجنون من الذي يحصل و توقفت السيارات و المارون على مسافة أمنة و بعيدة بالشارع ليشاهدوا العراك الدائر، توقف اعلامي كان يصور مقابلات مع كاميرا تلفزيونية متحركة و طلب من المصور تصوير الذي يحصل، سقطت داليا مع التنين على الأرض و تحركت يمنتا و يسارا بقوة فترحك معها التنين فوق الزجاج المحطم على الأرض، صرخ التنين من شدة الألم و الزجاج المكسور يقطع اوصاله، ارتفع معه صراخ كائنا انسي فادركت داليا انه مسكون من قبل كيان يسيره، اكملت حركاتها بتتابعه فوق الزجاج فغطت دماء الحنش جسدها و تلطخت الأرض بها، ضعفت قوة التنين و اوقف ضغطه على جسدها، فجأة لمع جسد داليا و اشتعلت النياران به،

صرخ المئات من من كانوا يشاهدون العراك الدائر بالشارع و ابتعدوا عن ساحة القتال، فكانوا بحالة خوف و ذهول مما يحدث، احترق جسد التنين من نيران جسد داليا و انتشرت من حوله رائحة اللحم المشوي، انتفض التنين من الألم الشديد و طار بالهواء من حلاوة الروح، تعالت صرخات الناس يتتابع “اين الداخلية عما يحدث!”
صرخ آخر “الحماية المدنية اين هيا! يا بوليص! اين انت يا حكومة!”
فجأة غادر التنين و هو بالهواء الطلق رجل ضخم الجثة و عريض المنكبين، صرخ من شدة الألم بالهواء ثم سقط مع التنين على الأرض، انطفئت النيران من جسد داليا و وقفت امامهم وقفة مارد محارب و صرخت بوجه الرجل “كنوز الملكة ليست لكم و لن افك رصدها و سحرها، قل لملكك الكريه ان حيله لا تمشي على جند فرعون و حرسه الخاص! انت تتكلم من تنحدر من سلالة فرعون و الإله تحتمس!”
صرخ الرجل بصوت عالٍ “تبا لك يا ميريت! تبا لك! ستقعي بين ايدينا كالعاهرة بيوم من الايام عما قريب و سأصنع من جلدك اثواب لزوجاتي الإنسيات، و عالمكم سيعود لنا!”
“انت تحلم يا تافه الجان يا نعل اقدام ملوك مصر! ساجعلك تندم على ما قلته لي!”
“ماذا قلتِ؟؟؟!!!” استعر سياف غضبا من كلمة داليا و اشتعل جسده بألسنت النار، هاجت النيران بشدة من جسده ليصرخ الجمع الذيىن كانوا يراقبوا العراك عن بعد “انهم شايطين! من هاؤلاء!”
صرخت داليا متوعدة “قلتُ ما سمعت يا خادم السفيه مرجان! ام ان خسارتكم انتم و جيوش الأدغال امامنا مازالت تؤلمكم!”
نظر فريد الى داليا برهبة شديدة من قتالها مع الجان، فجأة علم من كان يقاتل الكائن المريب بصور سوق الأزبكية في ساعات منتصف النهار، علم من كانت المحاربة الفرعونية التي التقط صورها طالب الطب، شعر برهبة شديدة من زميلته ففي دقائق تحولت الى كائن غريب عنه، شعر و كأنه لم يعد يعرفها إطلاقا، لكن لماذا! و ماذا عن كنور الملكة، من الكائن المريب الذي كانت تقاتله؟
“استل سياف سيفا من نار من غمض كان على خصره و نفخ عليه فانطلق من قبضته بيده سيفان آخران من النيران، صرخ بوجه داليا “ستدفعين ثمن اهانتك لمليكنا!” هجم علي داليا بسرعة كبيرة فاشتعلت النيران بجسدها مرة آخرى، فجأة برق شيئ بيدها فانطلق من جسدها درع و استقر بيدها، رفعته الى الأعلى و صدة ضربة سياف، عادة الى الوراء من قوة ضربات السيف فتتابعت ضربات سياف و هو يهجم عليها، فجأة استلت سيف من نار جسدها و صدة به ضربات سيوف سياف، اقتربت منه بكل مهارة و دفعته بقوة الى الوراء فعاد مسافة كبيرة بعيدة عنها، علمت داليا انه بات ضعيفا بسبب ما اصاب التنين فنزيف التنين جرده من قوته، هجم عليها مرة ثانية و رفع سيفه بالهواء و حاول دق رقبتها فصدته بسيفها و دفعته الى الوراء، التحمت سيوفهم بضعة مرات الى ان هجم عليها بكل قوته و حاول غرز سيفه بها و لكن النيران المشتعلة بجسدها اذابه حدة سيفه فلم تؤذيها، ضربت داليا سياف بالدرع و دفعته الى الوراء فعاد امتار بعيدة عنها، فجأة رأته يجري الى مكان بعيد، سمعت زئير اسود قريبة منهم، صرخ الناس و حاولوا الهرب من صوت الأسود فشعروا انهم موجودين على مقربة منهم، طار سياف بالهواء و صرخ بوجه داليا، سأنتقم منكم و من جنسكم الإنسي الكريه يا حقيرة،”
جرت ورائه على الأرض بخفة اضعاف قدرة البشر و حاولت الوصول قبله الى عربة الأسود الكبيرة التي كانت تجرها شاحنة تابعة لسيرك القاهرة الشعبي، كانت القاطرة و المقطورة متوقفة على بعد ربع كيلو منهم بسبب إزدحام مروري خانق، كان السائق بالشاحنة مستاءا من الإزدحام فكان يضرب كفا بكف من ما يحصل، لم تصدق ماذا كان سياف ينوي فعله فغتاظ من خسارته بحربه مع داليا، وصل سياف الى باب عربة بيضاء كبيرة مصفحة بالفولاذ خلف شاحنة كبيرة، كانت داليا على بعد عشرين مترا منها، صرخت بصوت عالٍ “لا تفعل هذا! الناس لا ذنب لهم!”
اجابها سياف “بشر تافهون بعطفكم على بعض! ساجعلك تندمين عالى مواجهت جيوس الجن!” فتح سياف اقفال العربة الفولاذية فخرت منها ثلاثة اسود ناضجة، زأرت الاسود بشراسة بالشارع و توزعت بين السيارات بسرعة،

نظرت داليا برهبة الى الملوك و هي تجري بالشارع، ارتفع صوت الناس و هي تصرخ من السيارات من منظرها، كانت تعلم انها لو لم تتصرف الآن ستلتهم الاسود البشر قبل ان تهدء ثورتها، صرخت داليا آمرة بصوت مرتفع و كانها تمتلك الدنيا من حولها “خدامي! خدامي! خدامي اميرتكم تامركم! لملموا لحمكم و عظمكم من تراب الارض من جديد! هيا خدامي اميرتكم بحاجتكم!”

فجأة شعر كل شارع مكرم عبيد بزلزال يضرب الارض تحت قدميهم، ارتفع صراخ الناس من حولها بجنون، امتلات الاجواء بصرخات الاستغاثة و الارض تهتز بقوة، تذكرت كلمات والدتها على الهاتف “زلزلي شوارع القاهرة في وجههم!” فجأة تكسر الاسفلت من حولها و ارتفع منه عشرة اكوام رملية اخترقت الارض بقوة جباره، تحولت خلال ثوان معدودة الى مومياوات مسلحة بحراب حديدية، صرخت صرخة الرجل الواحد “اوامر سمو الاميرة مطاعة! عاش فرعون الاله الاعظم!” وجهت حرابها نحو الجان الذي وقف بغضب امامهم…يتبع

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى