لغز الجريمة الغامضة / مهند أبو فلاح

★( لغز الجريمة الغامضة ) ★

مهند أبو فلاح

قال رب العزة و الجلال في محكم تنزيله العربي المجيد : – ” و من يكسب خطيئة او إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا و إثما مبينا ” سورة النساء الآية ١١٢

” إن دراسة التراث السياسي الاسلامي مهمة في مجال التنظير السياسي اللازم لبناء الاطار الفكري العام الذي يخلق الحركة و التطور السياسي ، و هذه الدراسة هي طريق الى المعرفة بالذات القومية العربية ، فالعلاقة الوثيقة الثابتة بين الاسلام و العروبة تفرض علينا منذ البداية ان نؤكد ذلك الاقتناع بأنه لا عروبة دون إسلام ، و لا إسلام دون عروبة ” الدكتور حامد عبد الله ربيع ، كتاب ( مدخل في دراسة التراث السياسي الاسلامي ) .

الدكتور حامد عبد الله ربيع ربما لا يكون اسم هذا الاكاديمي العربي المصري معروفا لدى كثير من الاجيال الشابة الصاعدة الواعدة ، لكن من المؤكد ان هذا الرجل يستحق ان يعرف به القاصي و الداني في وطننا العربي الكبير بعامة و في القطر المصري الشقيق بخاصة ، و يكفي هنا ان نشير إلى عدد مؤلفاته التي تصل الى ٣٤٥ كتابا في مجالات العلوم السياسية و الامن القومي و اتخاذ القرارات و التراث لندرك اننا نتحدث عن ظاهرة فذة في سماء الابداع العربي خلال القرن العشرين .

الانتاج الغزير لهذا البروفيسور الحائز على خمس شهادات دكتوراه في القانون و الادارة و العلوم السياسية و الفلسفة و التاريخ من فرنسا و ايطاليا لم يقتصر على تأليف الكتب التي تدرس في الجامعات العربية العريقة بل تخطى ذلك الى كتابة المقالات السياسية التحليلية العميقة حيث اهتم بالتنبيه الى خطر القوى الغربية و الصهيونية على مستقبل الامة العربية ، و كان له صولات و جولات في هذا المجال ، و من ابرز كتبه في هذا السياق ” الثقافة العربية بين الغزو الصهيوني و ارادة التكامل القومي ” و ” نظرية الامن القومي العربي و التطور المعاصر للتعامل الدولي في منطقة الشرق الاوسط ” و ” اتفاقية كامب دايفيد / قصة حوار بين الثعلب و الذئب ” .

اقرأ أيضاً:   مٸة عام علی النار ولم ننضج بعد !

كانت كتابات الدكتور ربيع تستند إلى فكر عروبي اسلامي مستنير نقي يقض مضاجع الصهيونية و اذنابها ، و لم يكن مستغربا ابدا ان يحظى هذا الرجل الذي أصل لفكرة القومية العربية من صميم التراث الاسلامي عبر كتابه الشهير ” التجديد الفكري للتراث الإسلامي و عملية إحياء الوعي القومي ” بثقة اثنين من ابرز الزعماء العرب في القرن العشرين اي الزعيم جمال عبد الناصر و الرئيس الشهيد صدام حسين بحيث اصبح مستشارا لكل منهما ، حيث اكد رحمه الله تعالى على ان عملية احياء التراث بأبعادها الثلاث اللغوية و التاريخية و السياسية يجب ان تتكامل لتشكل المنطلق الحقيقي لخلق حالة التكامل القومي “

امام هذا الاعصار الفكري المتدفق من هذا العقل العربي الفذ بلا توقف و لا انقطاع لم يكن حكام تل ابيب ليقفوا مكتوفي الايدي لاسيما ان هذه القامة العملاقة كانت تواجه سرطان التطبيع معهم في قلب العروبة النابض مصر الكنانة و تتصدى بكفاءة و اقتدار ليل نهار لمحاولات التغلغل الصهيوني داخل المجتمع المصري بمجمله و بين الاوساط و النخب الثقافية بالتحديد .

التاسع من ايلول / سبتمبر من العام ١٩٨٩ للميلاد فجعت الاوساط الاكاديمية المصرية بوفاة الدكتور حامد عبد الله ربيع في ظروف غامضة قبل ساعات قليلة من افتتاحه مركزا متخصصا في تقديم الاستشارات السياسية لصانعي القرار في الوطن العربي ، و بدا ان الامر لم يكن عفويا ، و مباشرة توجهت اصابع الاتهام نحو الجهة المستفيدة الرئيسية من تغييب هذا الرجل عن الساحة الفكرية الثقافية اي الصهاينة ، و تداول المقربون من هذا العلم الجهبذ شائعات حول تسميم هذا الرجل الذي اشتكى بشكل مفاجيء من الالام في معدته قبل ربع ساعة فقط من موته .

اقرأ أيضاً:   عندما يكون الوطن فضفاضا على اصحاب المناصب

مسلسل الاشاعات حول السبب الحقيقي لوفاة الدكتور حامد لم يتوقف لان السلطات المصرية المسؤولة عن هذا الملف الشائك لم تأخذ الامر على محمل الجد و لم تبادر الى فتح تحقيق موسع شامل في هذه القضية ، بل إن الامر الاشد غرابة و دهشة من ذلك انه بعد انقضاء اعوام طويلة على هذه الواقعة يتهم احد أركان نظام الرئيس المصري الاسبق حسني مبارك الا و هو الدكتور مصطفى الفقي مسؤول العلاقات الخارجية في الحزب الوطني الحاكم النظام العراقي بالتخلص من هذا الرجل على خلفية خلافات سابقة بينه و بين الرفيق صدام حسين ابان القادسية الثانية ( الحرب العراقية – الايرانية ) و تحديدا عام ١٩٨٧ .

نظام البعث الشرعي الاصيل في القطر العراقي الذي تلقى ضربتين موجعتين في العام ١٩٨٩ بفقدان اثنين من اهم اركانه الا و هما وزير الدفاع و القائد العام للقوات المسلحة الفريق الركن الشهيد عدنان خير الله طلفاح في شهر آيار / مايو ثم الاستاذ أحمد ميشيل عفلق رحمه الله تعالى مؤسس الحزب في الشهر التالي حزيران/ يونيو على النقيض تماما من مزاعم و ادعاءات الفقي كان بأمس الحاجة الى مد جسور التعاون مع رجل من طينة الدكتور حامد يعوض غياب الفقيدين الراحلين لاسيما انه يمتلك رؤى فكرية تكاد تكون شبه مطابقة لتلك التي يمتلكها حزب البعث ناهيك عما يتمتع به من رؤية استراتيجية ثاقبة على الصعيد القومي العربي و دوره في التصدي للخطر الصهيوني داخل الساحة المصرية و هو امر كان يستحوذ على اهتمام القيادة العراقية الجاهدة في انتشال مصر العروبة من مستنقع كامب دايفيد الموحل و هو الامر الذي وجد له تعبيرا واضحا جليا من خلال ضمها في شباط فبراير من ذلك العام الى مجلس التعاون العربي الذي اعلن عن تأسيسه في العاصمة العراقية بغداد الرشيد .

اقرأ أيضاً:   السقوط العربيّ

علاوة على ما تقدم فإن الحرب العراقية الإيرانية التي كانت محل خلاف في وجهات النظر حول سير بعض مجرياتها لا من اساسها و اصلها بين القيادة العراقية و الدكتور حامد كانت قد وضعت اوزارها في ذلك الحين مما يفند تخرصات الفقي و يدحضها ، ناهيك عن ذلك فإن الحقيقة التي لا مناص من الاعتراف بها هي أن خسارة العراق بفقدان هذا الرجل كما هي خسارة الامة العربية لا تقدر بثمن ، خاصة ان هذا الموسوعة الفكرية الشاملة كان قادرا على استيعاب المتغيرات الناتجة عن انهيار المعسكر الاشتراكي و انتهاء الحرب الباردة التي كانت تلفظ انفاسها الاخيرة في ذلك الوقت من العام ١٩٨٩ .

إن التوقيت الحساس جدا الذي غادرنا فيه الدكتور حامد ربيع في تلك المرحلة الفاصلة بين انتهاء الحرب العراقية / الإيرانية و دخول القوات العراقية إلى الكويت في ٢ آب / أغسطس من العام ١٩٩٠ و ما تلى ذلك من اندلاع أزمة الخليج و حربها لهو قرينة اخرى تؤشر بوضوح الى تلك الجهات الصهيونية الحاقدة المعنية بتغييب المغفور له عن مسرح الاحداث و حرمان الأشقاء في بلاد الرافدين من جهود هذا الرجل و نصائحه و استشاراته الذهبية القيمة .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى