عذراء في الثمانين / ماجدة بني هاني

عذراء في الثمانين …..

حينما تكون على موعد مع إشراقة شمس جديدة ، فإنك تسلم كل ما فيك ، ليلتك تلك …مطمئنا أن الشمس لن تخلف موعدا ، مذ بدأت الخليقة ما أخلفت ، لكن شمسي اليوم قداسترقت موعدا ومجهولا ، ثم أطالت الانتظار ، فأخلف هو موعده، فأشرقت متأخرة ، خجلى ، تداري هزيمتها ، لكن هيهات فقد فضحها لهيبها ، ولجة الكون المتمسمر مكانه في انتظار مثولها !!
قضيت ليلتي برفقة امرأة عذراء في الثمانين ، عليها مسحة جمال لم تقو عليها السنون، وثوب من حياء عجيب ، وطهارة روح وتوهج فكر ودماثة خلق ، وهالة من قداسة ونور بين عينيها …كخاتم الرحيق المختوم.
في مجتمعنا لا يكاد يخلو بيت من عازبة تجاوزت الأربعين ، أمضت طوال عمرها تنظر في مرآتها ،تدقق في الخطوط التي يرسمها الزمن حول العينين والشفتين، وعند مفرق جديلتيها حيث دب البياص فيهما ، فأدركت أن موعدا مع الفرح مازال منتظرا وراء ما تبقى من سني عمرها، لكنه بدأ يبهت مع غروب شمسها ، ولم يبق من العمر الكثير ….
الكثير من العازبات خضعن لقانون العرض والطلب ، وعرضن أنوثتهن كسلعة لم تحز على شار ، ولم يحزها مبار….
في نفس السوق ،تنتهب الجميلات كثمار التفاح اليانعة بغص النظر عن أي شئ ، بوثيقة انتهاب تسمى عقد زواج ….
ومن الدرجة الثانية تنتهب الغنيات ،في محاولات لإصلاح الحال ، وتحدي قسوة الظروف المادية ، والدعوى عقد زواج….
وفي النهاية كسدت نساء لا يملكن سوى أنوثتهن الصاخبة التي تسكتها العادات والتقاليد والمحاذير الدينية …في انتظار آمال خافتة ومحطات وصول متأخرة تنقذ الفتات القليلة من الرغبة في الحياة .
وراء كل قصة “عانس ” تعدت الأربعين أو حتى الخمسين قصة ظلم ، أبرزها ذلك الظلم الاجتماعي الذي أعطى الرجل حرية الاختيار في حين أخضعها لذل الانتظار .
وأمام كل قصة عنوسة سجل حافل من الإخفاقات الاجتماعية وتلك المباهاة السخيفة لكل امرأة حازت زوجا فأصبح في العرف وقفا تحوطه بحراسة حثيثة ، فتصبح الفردانية وقيم الامتلاك الذاتية هي السمة السائدة في مجتمع يعاني أزمة نساء حقيقية ….
أمس تأملت فتاتي الثمانينية ، وتلك الهالة التي تجملها ، نومها العميق ،جسدها النحيل ، أمرأة مثلها تحسد على تبتلها ، ومن عجب أن تحسد امرأة ذات زوج على نعمة الستر ، بمفهوم أعرافنا الاجتماعية ، لئن كان الزواج سترة ، فماذا نسمي قافلة من النساء العازبات / وما أكثرهن / ومن المسؤول عن تركهن بلا سترة ؟
وكيف لمجتمع مادي يحفل بالمرأة ذات الجمال والنفوذ والمال ، ويلفظ المرأة ذات الأمكانات البسيطة ، والمنظومة الأخلاقية الثرة ، كيف لهذا المجتمع أن يتصالح مع قيمة الواقعة ، ومشكلاته المستفحلة ، ما أحوجنا لإعادة النظر في منظومتنا الدينية والأخلاقية والإنسانية ،وأين نحن من مقولة رسولنا الكريم ، صلى الله عليه وسلم،فاظفر بذات الدين تربت يداك !

اقرأ أيضاً:   قصة من تراثنا العربي وعبرة لحاضرنا / مهند أبو فلاح
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى