حُـلم النيابة والنواب / معاذ البوريني

حُـلم النيابة والنواب
يتفاجأ المرء عند النظر لقوائم المرشحين إلى مجلس النواب ، كمّا ونوعًا ، ويحلّق في أحلامه السوداوية بعيدًا ، كما يحلـّقون هم ( أقصد المرشحين ) بأحلامهم بعيدًا في سماء الأحلام ، وعندما يقارن المواطن نوعيّة الأشخاص المترشحين للنيابة بمن سبقهم بأعوام يضع يده على قلبه .
نواب القرن الماضي كان الناس يرجونهم للترشح لمجلس النواب ، حبّا فيهم وثقة بمواقفهم الشريفة ، أمّا نوّاب اليوم ، فنوّاب لا يريدون سوى مصالحهم الخاصة ، فهم يعملون لأنفسهم فقط ، ولطموحاتهم الذاتيّة بعيدًا عن طموحات الوطن ، فهم لا يمثلون سوى أنفسهم إلاّ من رحم ربّي منهم .
عندما تقرأ أسماء مائة وخمسة وستين نائبا سابقًا ترشحوا للدورة الحاليّة فعليك أن تعرف أنّهم لا يريدون سوى مصلحتهم ، ومنهم من عُرِفَ بشرائه للأصوات، لقدسُحروا بلفظ”معالي” أو “سعادة” التي تسبق اسمهم ، ونسُوا المواطنين الذين أوصلوهم لهذا المقعد في مجلس النواب ، لم يتذكّروا شيئًا من التراث الإسلامي الذي تعلموه : ” إنها ندامة يوم القيامة ” إلا من أخذها بحقّها ، فباعوا المواطنين وأهملوهم وكانت مواقفهم هزيلة إلى أبعد حدّ ، ثمّ يستغفلون المواطنين ويريدون منهم أن ينتخبوهم ثانية وثالثة ورابعة !!!
دعني أفكّر كنائب مستقبليّ ، نعم سأدخل مجلس النوّاب ، وأقوم بتعيين أخي وأختي وابن عمي وابن خالي في المجلس ، ومن يدري فقد أصبح رئيس المجلس أو نائب الرئيس يومًا ، وسوف أقوم ببناء شبكة علاقات مع الوزراء أصدقائي من خلال الموافقة على مقترحاتهم ودعم أفكارهم ومواقفهم في وزرارتهم ، ثمّ سيأتي يومٌ وأصبح فيه وزيرًا ، وإن طال الوقت وتعثّر حظي قليلا فسيصبح صديقي أو زميلي النائب السابق رئيس وزراء وسيعيّنني وزيرًا ، وإن كان حظـّي سيّئاجدّا فسوف أنهي الدورة بسلام ، وأكون قد تقاضيت خلالها مئات الألوف من الدنانير (208 آلاف دينار بحساب راتب أربعة آلاف ونصف ) في ثمانية وأربعين شهرًا ، وبعدها تقاعدًا مجزيًا يكفيني عن العمل طوال عمري ( ثلاثة آلاف وخمسمائة دينار ) .
لذلك وبعد أن يذوق النائب هذه الأموال والامتيازات ، يتمنّى ويسعى لها طوال حياته ، ليتحوّل إلى موظّف في مجلس الأمة ، ويترك عمله الرئيس مهما كان ، فهو في الغالب لا يدرّ عليه دخلا كدخل النيابة ، وسيقوم بتقبيل الجدران والطاولات والميكرفونات في هذا المجلس ، شوقًا وطمعًا بما يمنحه المجلس له من امتيازات .
في دول أوروبا التي نحاول أن نصبح مثلها لنلحق بركب العالم المتحضر ، يأخذ النائب راتبًا كبيرًا ولكنّه يـُحسبُ اعتمادًا على الإجمالي السنوي لمتوسط دخل المواطن ، فيكون أكثر من المواطن العادي بنسبةٍ تتراوح ما بين 1-6% من دخل الفرد ، فمثلًا في إسبانيا التي حكمها المسلمون لثمانية قرون تبلغ النسبة 1.1% من إجمالي دخل الفرد ، وفي سويسرا 1.2% وفي فرنسا %2.2 ، وفي المملكة المتحدة 2.6% وفي الولايات المتحدة الأمريكية 3.1% واليابان 3.9% ………….الخ لذلك فأنا أقترح على جلالة الملك عبدالله بن الحسين أطال الله عمره ، أن يقوم بإعادة النظر في رواتب النواب وتقاعدهم ، التي يدفعها الشعب من جيبه ، لتعديلها أسوة بزملائهم الأوروبيين ، ولنقم بحسبة بسيطة ، إذا كان معظم الشعب الأردني يعيش براتب يقلّ عن 700 دينار ( الذي هو خطّ الفقر حاليًا ) وأردنا أن ننصف نوابنا الأشاوس أصحاب المواقف والعقل الراجع ونمنحهم ضعف ما يمنح لأمثالهم في أمريكا الشمالية وهو 6.2 % فسيكون راتب النائب لا يتجاوز 744 دينارا أردنيا لا غير ، وعندها فليتقدموا لخدمة الوطن والمواطن بصدق ، ولن يترشح لمجلس النواب سوى من يريد فعلًا أن يخدم الوطن والمواطن ، لا من يريد أن يصعد على أكتاف الوطن والمواطن .
واعذروني إن كنت أحلم كمواطن لا كنائب .
بقلم : معاذ البوريني

اقرأ أيضاً:   الحكومات المتعافبة وانجازات لا تتعدى مواجهة شكوى المواطن
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى