خاتم الفرح

نشر الاربعاء 6-1-2015
في صحيفة “الامارات اليوم”
خاتم الفرح
ثلاثة لا يظهرون إلا مرة واحدة في السنة: الراصد الجوي أثناء المنخفضات الجوية في الشتاء، حيث يختفي بانقضاء الفصل، والمفتي العام الذي يحدد الأول من رمضان والأول من شوال، والذي يختفي هو الآخر فور انتهاء العيد، والخبير الفلكي ليلة رأس السنة، الذي يختفي بقية مفاصل السنة وأطرافها، ولا نراه حتى نحاسبه على ما أكد ونفاه، وبما تنبأ به قبل دقات الساعة بدقائق.
منذ مدة ليست بقصيرة لم أعد اهتم بما يقوله المنجّمون، أو من يُسمّون الخبراء الفلكيين، كما لم تعد تبهرني تلك الموسيقى المريبة المرافقة للنطق بتكهّناتهم لعام مقبل، ليس لأن صدقيتهم صارت تراوح صدقية السياسي العربي مع شعبه، ولا لأنني رجل عملي وأهتم بالحاضر ولا أنتظر المستقبل أبداً حتى قدومه، لكن لأن الوطن العربي ليس بحاجة إلى تنبؤ وتخمينات وتوقع بالأسوأ بقدر ما هو بحاجة إلى حلول تخرجه من دوامات العنف التي تلف به من الماء إلى الماء، الوطن العربي ليس بحاجة إلى كرة زجاجية أو كتاب فيه معادلات فلكية معقدة وطلاسم مكتوبة على الهامش لتستطيع أن تحدد أي خاصرة ستؤلمه خلال الشهور المقبلة بقدر ما هو بحاجة إلى «لفافات شاش» بعدد نخل العراق، وزجاجات «يود» بعدد موجات البحر الأحمر، لتطهر جروحه التي غرزتها الحروب والقتل والموت ورؤوس الرصاص المدببة، لسنا بحاجة إلى بدلة براقة يرتديها الخبير الفلكي على فضائية عربية، يتقاضى، على سرد مصائبنا المقبلة، أجراً بالآلاف، يتبعها كتاب بالأسواق ينافس كتب الطبخ ونصائح المتزوجين الجدد، وكيف تصبح مليونيراً في أسبوع، بقدر ما نحن بحاجة إلى «حكيم» عربي بثوب أبيض وسماعة يضبط النبض ويهدئ الهيجان.. لسنا بحاجة لسماع أخبار عائمة غائمة، تتحدث عن تغيير في مصر، ومحاولة اغتيال في لبنان، وفساد في البرازيل، وعاصفة جوية في أميركا، وزلزال في دول شرق آسيا.. وكل عام لدينا عشرات العواصف والزلازل ومحاولات الاغتيال، لا نريد أن نرتدي طوق البؤس أكثر، بقدر ما نحن بحاجة إلى ارتداء خاتم الفرح الصغير.

اقرأ أيضاً:   وصفي العاتب..

ترى لماذا لم يتنبأوا بموت «إيلان» الكردي، الذي لفظه حوت اللجوء من وطنه المنكوب إلى شواطئ الهروب، لماذا لم يتنبأوا بطول الأسلاك الشائكة الممتدة على طول الوجع السوري، لماذا لا يتنبأون بصوت الريح الذي يهدر ليلاً فوق بيوت الصفيح في الزعتري، لماذا لا يتنبأون بانحلال الأزمة وعودة العصافير إلى أعشاشها.. أم أن كتب الفلك لا تقرأ الآلام المنقوشة بالحروب العربية، شخصياً لست معنياً بالتنبؤ بأوجاعي المقبلة، وجروحي المقبلة، وألوان خيمي المقبلة، ببساطة لأنني لا أريد أن أعيش المرارة مرتين.

اقرأ أيضاً:   وصفي العاتب..

[email protected]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. طوق “الندامة ” … اين هؤلاء من خاتم الفرح .. من بياع الخواتم الذي يجيء بالفرح .. هؤلاء باتوا مثل ما يوحي لهم شيطانهم ينعقون.. بالخراب والدماء والجوع والحرب والقتل .. من يستمع إليهم لا يجد في المستقبل أمل.. بل ألم ينتظر الجميع .. هؤلاء لا يعرفون طوق الحمامة .. هؤلاء يعرفون طوق الندامة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى