كُلُّنا لِبنانْ وبَعضُنا السُودانْ

كُلُّنا لِبنانْ وبَعضُنا السُودانْ
د. جودت سرسك

يُعلِنُ النيلُ غضبَه الذي عَمّ قرابةَ الخمسين مليون زُولْ ،الكلمةُ التي تروقُ لأهلِ السودانِ، والتي تعكِسُ هويتَهم العربية والتاريخية، مسلمةً ومسيحيةً، مُنذ حضارةِ (كَرمة) قبلَ ولادةِ سيّدنا المسيح بألفين وخمسمائة عام، إلى مملكة( كوش) والتي امتدّت إلى مابعد المسيح بثلاثمائة عام ،حتى مرّ عليها النوبيّون والدارفوريون والبدوُ العربُ والعثمانيون.
إنَّ كلمةَ (زول) تعْني اللطيفَ السَمحَ الكريمَ حَسَن الخُلُق ،وتكادُ الأمّةُ تُجمِع على سماحةِ السودانيين كما أجمعوا على عَمامةِ البشير ورقصاتِه في ساحة الحرب ثلاثين عاما ،إلى أنْ أكملَ مسيرتَه مَنْ بَعدَه حميدَتي وجيشُ الانقلابِ المموّلِ عربيّا وغربيّا.
ومِن طرائف السودانيين وثقافة العزّة لديهم والكرم، ما تشاهدُه وأنتَ برفقةِ سوداني في استراحة سفرٍ لتناول طعام، فإذا انبريتَ لدفعِ الحسابِ حتى تُفاجأ أنّ حِسابَك قد تمّ تغطيتُه مِنْ سودانيٍ مجهول كانَ يأكلُ الطعامَ ومضى قبلك، لا لشيءٍ سوى أنّك كنتَ بِرفقةِ عمامةٍ سودانية كريمة،هكذا همُ السودانيون.
في كلّ سنةٍ يغضَبُ النيل فتُخمِدُ غضبَته ترنّماتُ المتصوفين وتسابيحُهم، ودعاةُ الفطرةِ، وأصحاب دعواتِ الحقّ، الذين لا يتنازعون فتذهب ريحُهم ،فهُم على قلبِ وطنٍ واحد، وربٍ واحد وكلهم مريدون لابنِ عَربيٍّ واحد، يلبَسُ من صوف وطنِه ويشرب مِن نيلٍ يُسبِّح لحيٍّ واحد، ويتغنّي بالحيّ في جنبات المساجد، ومجالس الذكر حيّ حيّ حيّ.
لقد غضب النيل حين تغيّرت التسابيحُ، وظهر الدجّالون الموسومون على خراطيمهم بالعمالة والتبعية وفكر التطبيع والتبجّحِ بصداقة إسرائيل.
غضب النيل كما غضب المرفأ في بيروت ثأراً للحسين ولم تستطع كلّ زعاماته الفنيّة والثقافية والسياسية أنْ توقِف انفجارَ المرفأ، وراح الباذنجانيون المبرّرون يُجيّروا ويفسّروا على هواهم، فكانت أبهى الصور الإعلامية هي غَضبَةُ المرفأ حزناً على الحسين .
حين انفجرتْ لبنانُ، بكتْ طهرانُ، وحين فاضَ النيلُ السوداني ، ضرطَتْ خورفكّان.
وتُعيد القصّةُ المدرسية ذاتَها فتأكل الأسودُ ثيرانَنا السوداء كما أُكِلت ثيراننا البيضاء، فمَن تعذّر عن إطفاءِ حريق بغداد سيسْتنكِفُ عن حريق بيروت ومَن تكاسلَ عن إشباعِ جَوعَة أطفالِ اليمنِ سيتعذّر عن إشباع جوعة لبنان وليبيا والأردن، ويُتخِمُ نفسَه بسلاح البَوارِ ويَغرَقُ في نفطٍ بالكاد يُغطّي خوفَه مِن جيش الحوثيين القادم.
إنّ تغنّينا بلبنانَ وتحوّل شعاراتِنا وكلماتِنا كانتْ مدفوعةً بهوانا لفيروز ونانسي وباسكال، لا لعروبتنا وَوحدةِ مصيرِنا، فبذَلنا لها كلّنا ،وللسودان الأسمرِ اللهّابِ بعضَنا ولم تتداعى له سائرُ الأعضاءِ بالسهَرِ والحُمّى .

[email protected]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى