كيف يفكر الرئيس الجديد؟

الخصاونة إلى الحكومة بعد «عامين في المطبخ»… كيف يفكر رئيس الوزراء الأردني الجديد؟
بسام البدارين
لا يحتاج المراقب لأكثر من الإصغاء قليلاً لتأطير خبرة رئيس وزراء الأردن الجديد عند أي محاولة لتلمس ذلك الإيقاع الصاخب أحياناً والخافت أحياناً أخرى في بوصلة الثوابت الأردنية.
الرئيس الدكتور بشر الخصاونة عمل بنشاط خلال العامين الماضيين داخل المطبخ وفي أقرب مسافة للملك عبد الله الثاني وصناعة القرار. الدبلوماسي الشاب الهادئ الذي لا يزاحم أحداً بالعادة ويجيد لعبة الظل، كان موجوداً في زوايا محددة ومفصلة، وأيضاً مهمة، فقد ناقش في اجتماع مغلق تماماً وبحدية أحياناً كبير مستشاري البيت الأبيض جاريد كوشنر ضمن معادلة تقول بأن «عمان لا تتحدث بلهجتين» في القضية الفلسطينية. زار الخصاونة السعودية مرات عدة، وبقي إلى جانب الملك في معظم المساحات، وتحديداً الضيقة، على مدار عامين.
أوفد برسائل خاصة للعاهل السعودي وأخرى لـوليّ العهد محمد بن سلمان، وكان وحيداً في الحضور مع ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد. وتواجد بمعية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ويعتبر -حتى قبل تعيينه مستشاراً في القصر الملكي- مرجعياً عندما يتعلق الأمر بالملف المصري، خلافاً لأنه مقرب جداً من نخبة القرار المصرية العميقة، وموثوق أكثر من وزراء خارجية سابقين عندما يتعلق الأمر بالمعلومة المصرية.

اقرأ أيضاً:   يوم بلا غد

صعوبة قبول المشروعين التركي والإيراني… والفلسطيني يحتاج إلى نصائح

الخصاونة أيضاً عنيد بيروقراطياً؛ فقد رفض عرض الرئيس هاني الملقي بالبقاء وزيراً بعد صدام يعلمه الجميع مع المخضرم ناصر جودة. وخبرة الخصاونة في مطبخ القرار تحديداً في آخر عامين أتاحت له الاطلاع على ما لا يطلع عليه الآخرون، وقدم نموذجاً في التكتم والصمت، وتجنب الضجيج والإثارة، وظهر عندما أبلغ والده الوزير السابق والمخضرم الدكتور هاني الخصاونة صديقاً عريقاً من وزن طاهر المصري وقبل 24 ساعة فقط من تكليف الخصاونة الابن من تكليف الحكومة بأنه –أي الأب – لا يعرف شيئاً وبأن ابنه لا يتحدث معه أصلاً في قضايا العمل والواجب. وبكل حال، أصبح الدبلوماسي الحيوي وخبير المؤتمرات والقمم العربية رئيساً لوزراء الأردن. وفي حال ترصد بعض القناعات التي كان يعبر عنها، يمكن الإطلالة فقط ولو جزئياً على طريقة التفكير السياسية الأردنية إزاء بعض الملفات المهمة خصوصاً في الإقليم.
طوال الوقت كان الخصاونة الشاب حريصاً على التذكير بعدم وجود ما يبرر إطلاقاً توتر العلاقات مع المملكة العربية السعودية، وكان صريحاً وهو يؤشر على أن تبادل المعطيات مع الشقيق السعودي عبر قنوات مجتهدة أو متبرعة أو مريبة كان يقدم معطيات مضللة، معتبراً أن التشويش على العلاقة مع السعودية إعلامي فقط. وكان مصراً على أن متانة وصلابة العلاقة مع السعوديين خط أحمر دوماً للأردن، حيث لا يرى الخصاونة في المنقول لروايته للأحداث ما يبرر أي تشويش على العلاقة مع السعودية ولا مع الإمارات. ويعتقد هنا في المنقول أيضاً بأن القناعة راسخة على أساس أن الفضاء الطبيعي جداً المنسجم مع المصالح الأردنية العليا البقاء في أقرب نقطة ممكنة من السعودية ومصر، وبالتالي المنظومة التي تتبع هذا المحور دون الحاجة إلى مغامرات أو مجازفات هنا وهناك، حيث إن عمان لا تضمن المزاج التركي ولا يشبهها من حيث الأيديولوجية السياسية، وتطوير أي علاقة مع إيران.
في المسألة الفلسطينية تحديداً ثوابت واضحة لا رجعة عنها للأردن في فهم وتعاطي الخصاونة مع الأمور وثوابت أكبر بالوقوف أكثر مع الشرعية الفلسطينية، بعيداً عن أي مجازفات من الطرف المقابل تقطع مسافات سرية لا يعلم عنها الأردن. وبالمقاربة الشديدة للمشهد، فمشروع الضم الإسرائيلي تعارضه عمان وبشدة. لكنه لا يؤذي، في النتيجة، المصالح الأردنية الأساسية، ويشكل تحدياً أمام السلطة الفلسطينية وليس الدولة الأردنية؛ بمعنى أن السلطة بمؤسساتها ورموزها تساهم في تحديد مستوى المناورة الأردنية الداعمة إذا ما استجابت للنصائح التي تصلها، أو إذا ما لجأت لوضع خطة حقيقية قابلة للتغيير والتأثير في قاموس الخصاونة الذي رصدته «القدس العربي» بالتفصيل. حسابات البوصلة السياسية الأردنية مستندة اليوم إلى قراءة واقعية للإقليم تقول مؤشراتها بأن الفضاء الجغرافي والطبيعي للسياسة الأردنية كان بالعادة العراق القوي وسوريا الصلبة المستقرة.
لكن الخلل اليوم في ظل غياب العراق والمشهد السوري كشف الظهر الإقليمي للدور الأردني، وبالتالي يصبح البقاء مع الأشقاء في السعودية ومصر ودول الخليج استراتيجية بعيدة عن أي تكتيك وأقرب إلى عقيدة سياسية منه إلى مجرد تحالف لعدة أسباب، من بينها: صعوبة التزاوج مع المشروع التركي، واستحالة التلاقي مع المشروع الإيراني، وتلك التعقيدات المكشوفة اليوم مع المشروع الإسرائيلي.
لا يقبل قاموس الخصاونة مزاودة على اللهجة الأردنية الموحدة في دعم حقوق الشعب الفلسطيني، والتي تقال في الغرف المغلقة وتلك المفتوحة وبنفس الإيقاع.
لكن المقربين من الرجل يؤكدون بأن الحفاظ على المصالح العليا للأردن دوماً وأبداً هو الهدف، وتجنب المجازفات والمغامرات تقليد أردني راسخ لا يقبل الاجتهاد والتسرع والانفعال أو ردود الأفعال.

اقرأ أيضاً:   تونس: هل الرئيس قيس سعيد على ما يرام؟
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى