عفن التقادم ولوثة التصادم / د. مروان الشمري

عفن التقادم ولوثة التصادم وأولويات القدسية المتناقضة

بعد انتهاء عقود بل قرون من الظلام الذي خيم على اوروبا في العصور والوسطى وحتى وقت متاخر من القرن التاسع عشر حينما كانت تغرق اوروبا والغرب بشكل عام في ظلام دامس نتيجة الإقطاع والطبقية المشرعنة والظلم بحق الفقراء وانحراف ارباب الدين جاءت الثورة الفرنسية التي شكلت برأيي بداية الانفراج في عقدة الظلام في الغرب وقد اتخذت من حقوق الأفراد والمساواة وانهاء الطبقية شعارات عملت عليها بجد واجتهاد بعد نجاحها لترسخ لدى مواطني الجمهورية الفرنسية ايمانا مطلقا بكل مبدأ قامت عليه وبكل هدف اتخذته ومنها تسللت روح قدسية المواطن وحقوقه الى بقية الجسد الاوروبي والذي بعد ذلك بدا بإعداد دساتير أقدس ما فيها هو المواطن الغربي والذي تعمل حكومات بلاده على تكريمه صباح مساء فها هو وزير داخلية فرنسا مثلاً يستقيل احتراما للشعب الذي شعر انه اهانه وأهان دستور البلاد وقوانينها عندما عين ابنتيه في الجمعية العامة الفرنسية وذلك لانه يستحي ويخجل على نفسه ان يستمر في العمل العام نتيجة سلوك يعتبره المواطن الفرنسي فسادا ومخالفة .
يا سادة: فلتعلموا انني لست علمانيا ولا ليبراليا ولكنني لا الوم عشاق هولندا ولا محبو فرنسا ومنهم اخي الذي يعشق حتى النخاع فرنسا وسويسرا وحتى وقت قريب لم أكن افهم السبب، ياسادتي لست منغلقا ولا مجنونا ولا متزمتا ان قلت لكم إنني اعشق الاْردن حتى الثمالة أيضا واعشق لغتي العربية وأمتي العربية ولكنني لا استغرب إعداد المتقدمين للهجرة ارادةً وقسراً وفرارا للعقل من تزاحم المعضلات في ميادين الممارسة اليومية للحياة بكافة اوجهها وتفاصيلها ، يا سادة لم يعد الامر بسيطا حتى يتم شرحه حسب نظريات التدريس التي اصابها اما عفن التقادم أو لوثة التصادم بين الممكن والمستورد وخصوصيات السياق وضعف الأهلية لمن يقوم على ذلك الامر كله فعم الارباك والارتباك وضاع عقل المتلقي ما بين هذا التقدمي ضعيف التأهيل وذاك الرجعي المتخلف سجين الليل الطويل بِظَلام أفكار مرجعياته ، الامر ببساطة اكثر تعقيدا مما نرى ويحتاج كل عقل لم تفتك به بعد لوثات التصادم أو عفن التقادم.
اننا نعشق دولا غربية كثيرة ليس ربما فقط لان معظمنا يحب ان يرى جمال النساء ظاهرا ولا لان بعضها يريد الذهاب الى الحانة ليلة السبت ولا لان العربي قد عاف دينه بدنياه، قد يكون الامر وأقول ربما لان العربي ما عاد يشعر بكرامته لا وجودا ولا ممارسةً ولا حتى في أضيق دوائر السلطة الفردية المطلقة حيث فقد الاتصال بالمحيط الضيق قبل البعيد وذلك لان عقول الجميع الان محتلةٌ اما بافكار لا تفهمها وعاجزة عن تحليلها وأما لان الأدوات التي سهل توفرها أسيء استخدامها فغدى اقرب القريبين اليه وربما إلينا جميعا غرباء في مشهد عمه تضارب التوجهات وتناقض المصالح وتقادم وتصادم في الأدوات وانفكاك فكري عن كل منطق عقلاني واحتكار لصكوك غفران من انواع مختلفة وبمسميات مختلفة وتحت عناوين شتى.
لقد فقدت هذه الأمة افرادا وجماعات دولا وكيانات ابسط مقوماتها ومقومات استمرار احترامها وهو التفكك والتآكل الداخلي فالفرد فينا يحمل في الداخل ضده، والخوارج فينا يحكمون علينا بالردة، والذين اغتصبوا ديننا أجروا أنفسهم لأطراف عدة لا تريد بِنَا خيرا، ونحن أيضا نعم نحن أيضا تركنا ساحات العلم النافع والحقيقي وهجرنا كتب الله وتعليماتها التي تحض على الحب والشكر وتشجع السلام وتبادل الكلام ونشر الود والوئام ليسود الانسجام الذي يخلق البيئة الصحية للإنتاج فكرا وأدواتٍ وبذلك يزيد من المخرجات كما ونوعا ولكن بكفاءات آمنت بالبيئة والسياق وأحبته فأخلصت له وللأطراف المتداخلة فيه فتبادلوا فكرا بفكر وحبا بحب وإخلاصا باخلاص وصولا لأجواء تحفظ فيها ارواح الجميع وكرامة الجميع وحقوق الجميع فيحرص الكل فينا على اداء الواجب حبا وكرامةً وليس قهرا وقسرا وعندها تكون الكارثة وهذا مع الأسف واقع حالٍ من السهل انكاره ومن الصعب الإقرار بوجوده وهذه أم المصائب.
اهلكتنا حروب الفضاء الالكتروني ونظريات المثالية غير القابلة للتطبيق أصلا قبل التشخيص الحقيقي للازمة الوجودية التي تمر بها الأمة، نحتاج ان يشعر المواطن بقدسيته نعم ولكن كيف السبيل الى ذلك ونحن ما زلنا مراحل ومراحل متأخرين عن اول خطوات الطريق الصحيح باتجاه اوطان لا يعيش فيها مواطنون بعقول مهاجرة ليل نهار فيمارسون المواطنة قسرا وقهرا ويطبقون القوانين كرها وجبرا وبالغرب يحلمون وحكامهم مشغولون بكيفية اجبار أعداء شعوبهم وامتهم على الاعتراف بكياناتهم: يا سادتي لم وَلَن نحترمكم الامم طالما كان مواطنوكم يشعرون بفقدان الرغبة في ان يكونوا جزءا من هذه الأمة وطالما كانت قدسية المسؤول هي الاولوية وقدسية المواطن من قواميس العرب ملغية، انظروا الى الغرب ولا تظنوا بأنني امدحهم أو امجدهم ولكن لا تعترضوا عليهم لأنهم يقدسون رغبات مواطني دولهم فهذه دساتيرهم التي يحترمون وقوانينهم التي بها ترغب شعوبهم ولذلك فقد سبقوكم بكل شيء.
عودوا أو لا تعودوا فان للتاريخ حكما وللشعوب قولٌ طال الزمان أم قصر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى