حوار الأجنّـــــــــة / يوسف غيشان

حوار الأجنّـــــــــة
قرأت على النت، تحديدا على صفحة خالتي الفنانة العظيمة مكادي نحاس، نصا رائعا ، وهو منسوب للكاتب اليوناني ديمتري افيريينوس، يقول النص:
جنينان توأمان قابعان في الرحم، دار بينهما الحديث التالي:
– قل لي، هل تؤمن بالحياة بعد الولادة؟
– طبعاً، فبعد الولادة تأتي الحياة… و لعلنا هنا نقبع استعداداً لما بعد الولادة…
– هل فقدتَ صوابك؟! بعد الولادة ليس ثمة شيء! لم يعد احد من هناك ليكلمنا عما جرى عليه! ثم هَبْ ان هناك حياة، ماذا عساها تشبه؟
– لا ادري بالضبط، لكني أحدس أن هناك أضواءً في كل مكان… ربما نمشي على أقدامنا هناك، و نأكل بأفواهنا…
– ما احمقك! المشي غير ممكن بهاتين الساقين الرخوتين!
وكيف انا أن نأكل بهذا الفم المضحك؟! ألا ترى الحبل السُّري؟
فكر في الامر هنيهة: الحياة ما بعد الولادة غير ممكنة لأن الحبل اقصر من أن يسمح بها.
– صحيح، لكني احسب ان هناك شيئاً ما، إنما مختلف عما نسمّيه الحياة داخل الرحم.
– انت احمق فعلاً! الولادة نهاية الحياة… بعدها ينتهي كل شيء.
-على رسلك… لا ادري بالضبط ماذا سيحدث، لكن الامَّ ستساعدنا…
-الأم؟! و هل تؤمن بالأمِّ أيضاً ؟؟
– أجل.
– لستَ احمق فقط، أنتَ معتوه! ها سبق لك أن رأيتَ الامَّ في اي مكان؟ هل سبق لأحد أن رآها؟!
– لا أدري،لكنها تحيط بنا من كل صوب. نحن نحيا في باطنها، والأكيد اننا موجودان بفضل منها.
– دعك من هذه الترهات، و لا تصدع رأسي بها! لن أؤمن بالأمِّ إلا إذا رأيتُها رأي العين!
– ليس بمقدورك أن تراها، لكنك اذا صمتَّ و أرهقت السمع، تستطيع أن تسمع أغنيتها، تستطيع أن تشعر بحميتها… إذا صمتَّ و أرهفت السمع، لابدَّ أن تدغدغ رحمتُها قلبَك. انتهى الإقتباس.
عندما قرأت هذا النص شعرت براحة نفسية ألقت عن كاهلي معظم هموم الحاضر من قتل وموت وصراعات طائفية ودمار ، ومنحني هذا النص احساسا بأن القادم افضل ، لكننا لا نراه بحكم غيوم الإحباط والسخط التي تغطي ارواحنا، كما يغطي الطحين او البقسماط السمك قبل القلي .
نحن في الفترة الحرجة من المخاض ، القديم فقد مبرره وهويحتضر بصوت عال وضجيج ، والجديد لم يات بعد، لذلك تنعدم الرؤية والروية وتصبح الأمور مربكة في عالم لا نرى فيه سوى السقوط اللامتناهي …سقوطنا نحن.
انه سقوط مزر بالفعل ، لكنني اسلّح روحي ضده بعبارة قالها غاندي ذات زمن ، قبل انتصار ثورته اللاعنفية ، يوم كانت الهند تعاني سقوطا مزريا مثلنا الان .
قال غاندي :
– ليس كل سقوط نهاية ، فسقوط المطر يبشر بأجمل بداية .

اقرأ أيضاً:   روادُ القدسِ الأغيارُ يحملونَ سيفَها البتار

أما أنا فأقول:
– لا كلام بعد هذا الكلام…فعلا.
[email protected]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مقالك اليوم يبعث الأمل ويبشر بالخير
    و لا سقوط للإنسان الا بتكبره وفقدانه الرحمة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى