جاكسون الفلسطيني وقيادة منظمة التحرير

جاكسون الفلسطيني وقيادة منظمة التحرير

د. فايز أبو شمالة

كان اسمه “جاكسون”، هكذا كان يناديه الأسرى الفلسطينيون في سجن نفحة الصحراوي، ربما لأن الشاب الفلسطيني الأسير كان اشقر اللون، أو ربما لأنه عنيف عنيد، لا يتردد في خوض معركة مع كل إدارة السجون الإسرائيلية وحيداً.

في إحدى أيام سجن نفحة الصحراوي، وأثناء خروجنا إلى باحة السجن، تأخر قليلاً الأسير جاكسون في الخروج من الغرفة لسبب ما، وبعد دقائق، نادى جاكسون على السجان، أن افتح الباب، أريد الخروج إلى باحة السجن.

تردد السجان، وتأخر في فتح الباب بشكل متعمد، وهذا ما استفز جاكسون، الذي بدأ يشتم ويسب، ويلعن السجن والسجان.

فتح السجان باب الغرفة، وهو يدمدم بألفاظ عبرية غاضبة، وخرج الأسير جاكسون من الغرفة دون أن يتوقف لسانه عن شتم السجان بشكل مباشر، وفتح السجان باب الباحة وهو غاضب ومستفز من الأسير جاكسون، الذي خرج إلى باحة السجن، وهو يهدد ويتوعد، لتزداد نبرة التحدي والمواجهة بين السجين والسجان، حين أغلق الباب، وصار السجين في الباحة، وصار السجان داخل ممر القسم.

اقرأ أيضاً:   ظاهرة فشل الحكومات

لم ننتبه نحن الأسرى المتواجدون في الباحة إلا حين شاهدنا الأسير جاكسون، وهو يركض باتجاه كرسي، ويلتقطه، ويهجم به على السجان من خلف القضبان، وهذا سلوك عدواني يتنافى مع التفاهم القائم بين إدارة السجن والأسرى الفلسطينيين، تفاهم يقوم على احترام الحكم الذاتي للأسرى داخل الغرف، وتحسين نوعية الطعام التي تقدمه الإدارة، وعدم استفزاز الأسرى، والسماح لهم بشراء كل ما يحتاجونه من الخارج، وأشياء أخرى، على أن تضبط قيادة الأسرى سلوك الأفراد، وعدم السماح بالتمرد، أو الاعتداء على ضباط السحن، وعدم الإخلال بالأمن، وعدم القيام بأنشطة واحتفالات دون إعلام الإدارة بشكل مسبق.

لما سبق من تفاهمات، فإن تهجم الأسير جاكسون وهجومه على السجان الإسرائيلي يتعارض مع التفاهمات، لذلك تحرك الأسير جبر وشاح، والأسير محمد العواودة على وجه السرعة، وأمسكا بالأسير جاكسون، وردعاه على مرأى ومسمع مع الأسرى الفلسطينيين، وأمام عين السجان الإسرائيلي، وتحت سمع وبصر إدارة السجن التي كانت تراقب المشهد من خلال الحراس.

اقرأ أيضاً:   عن السلطة الفلسطينية وبيض المفاوضات الحائض

ردع الأسير جاكسون من قبل زملائه الأسرى جنب السجن عملية قمع، وجنب الأسرى مشاكل وصراعات دموية مع إدارة السجن، وجنب الأسير جاكسون نفسه عقاباً وعذاباً وعزلاً في الزنازين، فقد اعتبرت إدارة السجن أن الحدث قد انتهى، وطالما هناك قوة أو قدرة لدى الأسرى لضبط سلوك من يخرج على التفاهمات، وطالما التزمتم بالتفاهمات فنحن ملتزمون.

لم تنته الحكاية،

بعد أيام أو شهور، اختلفت إدارة السجن مع ممثل الأسرى الفلسطينيين في بعض القضايا الحياتية، وأصر ممثل الأسرى على مطالب الأسرى، وأصر مدير السجن على عدم الاستجابة، ونشب الصراع، وخرج ممثل الأسرى من الاجتماع غاضباً، وهو يهدد مدير السجن: من الآن فصاعداً، أنا لست ممثلاً للأسرى، ولست مسؤولاً عن ضبط سلوك الأسرى، ابحث عن غيري يردع جاكسون وأمثاله من مجانين السجن.

اقرأ أيضاً:   نصب تذكاري للخونة

بعد أقل من ساعة، أرسل مدير السجن إلى ممثل الأسرى، وجلس معه جلسه مطولة، واستجاب لكل مطالب الأسرى، على شرط حفظ الأمن، وعدم القيام بأي أعمال تربك الحياة اليومية.

وهنا بدأت الحكاية!

طالما لم تلتزم الحكومة الإسرائيلية بالاتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير، وطالما تواصل الاستيطان والسيطرة على الأرض، وطالما تواصل الاستخفاف بالسلطة، وتقتحم منطقة “ا” وطالما تواصل تهويد القدس، وتقيم مئات الحواجز، فلماذا تصر القيادة الفلسطينية على ضبط سلوك أمثال الأسير جاكسون؟ لماذا لا تطلق قيادة المعتقل الفلسطيني يد كل جبار وعنيد وعنيف من رجال فلسطين؟ لماذا تظل قيادتنا تلتزم بما لا يلتزم به الاحتلال؟ لماذا لا ينسحب ممثل الأسرى، ويعلن أنه لم يعد المسؤول عن ضبط الأمن والنظام على طرق المستوطنين؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى