تعلم وتربية ؛ فقط على الورق / سهى عبد الهادي

تعلم وتربية ؛ فقط على الورق

عندما لا تتعدى الغاية من التعلم عن ان تعلق الشهادة داخل برواز يزين الحائط ، وحين تبدو مراسم الإحتفال ومواكب الخريجين هي اقصى اماني المتعلمين وتعبير فرحتهم الصارخ …
وعندما يمسي الهم العام هو صورة الفرد وما يزين به جدران مكتبه من براويز ، وما يسبق اسمه من ألقاب يكافح فقط لإجل اسمها ورنين صوتها على أذن الآخرين …
تكون الفائدة والقيمة لما يسعى له كما الغاية المنشودة منه باهتة ومضلله لإصحابها قبل غيرهم ، مجرد صوت يطرقع ويفرقع لثواني معدوده لا تلبث ان تشكك بوجوده من عدمه اذ لا يتبقى منه بعد برهة من الزمن سوى ضجيج مزعج لا فائدة منه …

سنوات طويلة نقضيها كأفراد على مقاعد الدراسة ، نتسابق بأنفاس لاهثة متنافسة للوصول … نعم الوصول …لكن الى اين ؟ ومن أجل ماذا ؟
سياسات وقوانين وخطط ومناهج توضع وتتبدل وتتغير حد التخبط لتجيب على هذه الأسئلة لكن صدقا لا أحد يدري !!

وتبقى علامات التعجب وتساؤلاتها تدق طبول ومزامير تدوي اصواتها عاليا كالصدى في فضاء فارغ ، مستنكره ومستهجنه ما يدور حول أهمية التربية والتعليم والتعلم في حياة الشعوب خاصة العربية منها ، اذ يعتقد بديهيا ان التعلم اذا لم يكن حاضرا ولم يظهر في سلوكيات الأفراد وحياتهم اليومية فهو لا معنى له … وهذا مغزى التعلم ولبه ، لكن شتان بين ما هو بديهي وما نعاني منه من واقع مزري سواء على مستوى الإعتقاد الحقيقي المؤمن بما نقوم به او على مستوى السلوك الظاهر …

منذ بدايات القرن الماضي أعلن علماء النفس أن التعلم هو ” عملية تؤدي إلى تغير نسبي ونهائي في السلوك نتيجة للتدريب أو الخبرة ” و أنه ” تغير ظاهر في السلوك نتيجة الممارسة ثابت نسبياً ” .

وان الغاية العظمى من التعلم ليست تزويد الطالب بالمعلومات لأنها تتغير كل ثانية وإنما تكوين وبناء الشخص الناضج القادر على مواجهة الحياة وإكسابه المهارات الحياتية لكي يتكيف ويؤدي دوره بما تتطلبه حياته المستقبلية.

هذا التعريف وغيره من تعريفات عملية التعلم يقطع الشك باليقين ، ويؤكد ان هناك هدفا رئيسيا ومباشرا وذا بعد اشمل لعملية مهمة يخضع لها ملايين الطلبة في العالم العربي ، ومع ذلك ينحى هذا الهدف البالغ الاهمية جانبا ليحل مكانه حمى تجميع الشهادات الورقية التي حصل عليها الفرد ، بعد ان درس وحفظ معلومات علمية محددة عمل على تفريغها كامله او منقوصة على ورقة الإمتحان ، ثم قام ببرود ما يحمله من مشاعر اللامبالاة وعدم الإحساس بمعنى ما عمل جاهدا من اجله بتمزيق الكتب الحافظه لها لعدم الحاجة لها ، اذ انه وبكل اسف استشعر انتهاء الهدف الآني لعملية التعلم والمنحصر أفقه في ورقة الإختبار …

لوهله سريعة وخاطفة يبهرك ما ترى من احصائيات تحصي العدد الهائل من حملة الشهادات العليا في الدول العربية لكن سرعان ما يتلاشى هذا الإنبهار لتحل محله الصدمة عند رؤيتك ما لا يسر من سلوكيات ومظاهر غير مقبولة تعتقد معها ان اهل هذه البلاد لم يدخلوا يوما مدرسة او جامعة على اعتبار ان كلتاهما مؤسسة تعنى بتغيير السلوك وتطويره …

وبجولة سريعة وخاطفة تدرك معنى التعلم القاصر في هذه البلدان ، فسلوكيات الأفراد ما هي الا الجزء المرئي لعمليات التعلم وتراكماتها …

النفايات وقلة النظافة تحيط بك ، البيوت نظيفة والأوطان قذرة ، الأخلاق في ادنى صورها ، تحرق اشجار الشوارع في فورة غضب ، تكسر مرافق عامة تعبيرا عن خسارة ما ، كسل وتباطؤ وروتين بيروقراطي ممل يغلف الأعمال لا سيما الحكومية منها ، المنطق العقلي وإحترام الرأي والمناقشات البناءة عمله نادرة لا ترى بالعين المجردة وبحاجة الى مجهر لملاحظتها ، الكذب عنوان للتعامل والمعاملات ، الفوضى وعدم النظام يخيم ويطغى على اي إنجاز ، ردود الفعل سريعة وعصبية تأكل في طريقها الأخضر واليابس ، خلافات الرأي واختلافاته تحل بعنف الألسن والأذرع كأسرع طريقة لإنهائها ، الواسطة والمحسوبية والعلاقات المشبوهة هي سلالم النجاح ، واما أداب المرور وأخلاقيات القيادة فحدث ولا حرج ….

والمزيد المزيد مما يندى له الجبين ، وتدمع العين لرؤيته ، ويقطر القلب حزنا على ما وصلنا اليه …

نعم هذا حالنا الذي لا يسر ، لكن …
يبقى هناك امل فما زلنا نتعلم … ونحتاج فقط ان نعيش ونحيا بما نتعلم …
فالتعلم تغير ظاهر في السلوك وليس جثه هامدة على ورق …

سهى عبد الهادي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى