المطرُ كالوطن .. / جهاد برّخ

المطرُ كالوطن ..

هي الرحمات تهلُ على الأرض من عالي السماءِ ، وقطراتٌ كأنها لؤلؤ منثورٌ يملئُ الفضاء باليُمنِ والبركات ، تحمِلُها الغيوم كما الأُم تحتضنُ رضيعها ، ثم ترسله بشارة خير و حكاية عطاء ، فتتلقاه الأرض بشوق المحبِ العائد لمحبوبته ، ويتلقاها بلهفة الغريب الذي طال غايبهُ عن وطنه ، ويروح في جريانهِ بين شقوقها وأوديتها ، يروي الضمئ وتجري به الجداول والانهار وتنبت به الاشجار والحشاش والأكلاء فيحيى الأرض بعد موتها ويبعثُ الأملَ في أرجائها.

والمطر كالوطن فيه الغيثُ والرحمة ،غير أن المفسدين بالأرض ولصوصها جعلوه خبرعاجلاً غير سار فسموهُ بسوء الأحوال الجوية ، وجعلوا نشرات الأخبارِ بعد نزولهِ تتحدث عن أعداد الضحايا وجموع الغرقى ، ومن جرفتهم السيول من المفقودين ، وعن هدير المياه التي لا تغمرُ إلا بيوت الفقراء ومساكنهم فتحيلها خراباً ، وعن أماكن تجمعات المطر التي تغلق الطرقات وتحبسُ الناس عن السعي بالأرض ، وأخيراً وليس آخراً عن تلك العصافيرالصغيرة البرئيةِ التي خرجت صباحاً من أحضان أُمهاتها تبحثُ عن السعادةِ فعادت إليها ملفوفة بالأكفان .

والوطن والمطر يكشفان لنا الأقعنة الزائفة عن وجوه اللصوص وسرقاتهم ، الذين مهما ازدادو تسلطاً على رقاب الناس وضيقوا عليهم معاشهم، وأقسموا بالله الإيمان المغلظة بالأخلاص وخدمة الوطن والأمة ، فأنهم رمادٌ زائلٌ يجلوهُ المطرُعن صفحةِ تاريخ الوطن .

لا تخافوا المطر ولاتكرهوا الوطن فلا ذنب لهم ولا يستحقان منا هذا الجزاء ، فهما يحملان الخير و يبقيان حكاية العمر والسعادة عبر أجيال وأزمنة ، والغيابُ عنهم مؤذن بخراب العمران وسنين الجذب والقحط . “وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ” صدق الله العظيم

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى