يحيا البنزين ولا صوت يعلو فوق صوت “الاستثمار”

كنتب…د.عبدالحكيم #الحسبان

يحيا #البنزين ولا صوت يعلو فوق صوت “#الاستثمار

 
منذ العقدين أو أزيد، لم يخل بيان وزاري أردني من فقرات عديدة وطويلة يتحدث عنها، ولعشرات المرات يكررها. ومنذ العقدين أو أكثر، لم تمر إطلالة تلفزيونية لرأس كبير في الحكومة صدف وأن خلت من تكرارها والحديث عنها. ومنذ العقدين ونيف، لم يكتب المحللون الاقتصاديون عن مفردة أو لفظة، أكثر ما كتبوا عنها وحولها. الاستثمار؛ هي الكلمة الذهبية التي تقبع في سويداء قلب الخطاب الاقتصادي والتنموي الأردني.
 لا اقتصاد ولا تنمية ولا حياة بدون استثمار، وبدون أن تأتي جحافل المستثمرين أرضا وجوا وبحرا إلى البلاد، هكذا تكرر السلطة منذ عشرين عاما أو أكثر. لا حل لمشكلة البطالة سوى النمو الاقتصادي، ولا نمو اقتصادي دون استثمار. النمو هو من يخلق فرص العمل، ويقلص بالتالي من جيوش العاطلين العاملين عن العمل الذي يتكدسون كل عام بل وكل يوم. الاستثمار وتحديدا الخارجي هو من يستطيع تحريك عجلة الاقتصاد وضخ الدماء في الدورة الاقتصادية للبلاد. لا خلاص للبلاد من مشاكلها وأزماتها بل واختناقاتها إلا بالاستثمار والمستثمرين.
منذ العشرين عاما وجنبا إلى جنب كل هذه الممارسة الخطابية التي تضع لفظة “الاستثمار” في صلب كتلة المنطوقات الاكثر استخداما, وفي قلب كتلة الممارسات الخطابية اليومية، تم العمل على الكثير من القوانين والتشريعات الاردنية المتعلقة “بالاستثمار”. وللتدليل على مستوى الغرام والعشق الحكومي بالاستثمار والمستثمرين جرى إنشاء هيئة أنيقة تشتمل على رئيس أنيق، وأعضاء أنيقين، وبرواتب ممتازة، قيل أنها هي أيضا أنيقة، سميت مرة ب”هيئة تشجيع الاستثمار” ومرة أخرى بهيئة الاستثمار، بل وبلغ العشق الحكومي بالاستثمار أن كبرت الهيئة ليتم خلق وزارة تحت اسم وزارة الاستثمار.
عشقنا للاستثمار والمستثمرين يضعنا قريبا من اليوم الذي سنشهد فيه تنظيم مسابقات للاستثمار والمستثمرين بحيث سيتم تنظيم مسابقة “ملك جمال المستثمرين”، ومسابقة “مس استثمار”، ومسابقة “شاعر الاستثمار” تتخللها مكافأة مالية عبارة عن “سندات استثمارية” لأحسن قصيدة عن “الاستثمار”. وثمة حديث عن تشكيل لجنة عليا أنيط بها مهمة تنظيم مهرجان على غرار مهرجان جرش، سيكون اسمه مهرجان الأغنية الاستثمارية الأردنية”. كما أجزم أننا وبعد أن لم تفلح كل الإجراءات السابقة في قدوم ولو “ثلة” صغيرة من المستثمرين ناهيك عن الجحافل، قد بتنا على عتبة اليوم الذي سينظم فيه بعض الزملاء من الأكاديميين مؤتمرا ستكون إحدى توصياته الرئيسه صياغة منهاج دراسي يدرس في المدارس الحكومية والخاصة يتحدث عن الاستثمار والمستثمرين، وإن كان الزملاء الأكاديميين سيختلفون وكعادتهم حول أي الصفوف التي يجب أن يدرس لطلبتها هذا المنهاج عن “أنواع الاستثمار وفوائده”.
وأجزم أن ثمة أنباء بدأت تتواتر من بعض المناطق الأردنية تقول أن الناس فيها، ولفرط هوسهم  بالحديث عن الاستثمار والمستثمرين غيروا من بعض الأمثال المتوارثة في مناطقهم، فبعد أن كانت الأمثال الشعبية تبين الحظوة ومستوى المكانة التي يتنافس عليها قريب العائلة مع النسيب أو الصهر، وبدلا من المثل المتداول “كون نسيب ولا تكون قريب”، حل المستثمر مكان النسيب، وصار المثل الشائع يقول “كون مستثمر ولا تكون قريب”. فقد التقط الناس رسالة الحكومة حول المستثمر والاستثمار وأهمية كلمة استثمار لحياتهم وسلامة اقتصادهم.
في بلادي نتحدث عن الاستثمار وتشجيعه وبما يفوق حديث مليار ونصف المليار صيني عن الاستثمار. وفي حين وصلت أرقام الاستثمار في بلد كالصين إلى أرقام فلكية، كما أن بلدا قريبا بحجم تركيا استقطبت كتلا مهمة من المال الباحث عن الاستثمار عالميا، بل إن بلدا أكثر قربا وشبها لنا في الثقافة والجغرافيا هو مصر الشقيقة, بات محط أنظار الكثير من المستثمرين بما فيهم الأردنيون, فإن جلب الاستثمار إلى الأردن ما زال في نطاق الأمنيات والممارسات الخطابية، ولم تصل أرقام الاستثمارات إلى أرقام يعتد بها تحرك عجلة النمو الاقتصادي المتوقفة. بل إن تقارير ذات صدقية تتحدث عن هروب بعض رؤوس الأموال بما فيها الوطنية الأردنية لتستثمر في تركيا أو في مصر.
في بلادي نصول ونجول عند حديثنا عن الاستثمار ولكن خيولنا نأمرها بالتوقف عند الاقتراب من الحديث عن المتطلبات الحقيقية للاستثمار التي وفرتها دول وحكومات اخرى في العالم ولكننا نخشى توفيرها، بل نخشى حتى الحديث عن ضرورة توفيرها. ففي الحديث عن  الاستثمار تقطع كل الدراسات وتجارب الأمم؛ أن لا قدوم للاستثمار إن لم تكن هناك منظومة قضائية فاعلة ومؤسساتية تحمي المستثمر من تعسف رجال السلطة ومراكز السلطة والنفوذ المتلفتة، فلا يتم تعطيل معاملة مستثمر بهدف ابتزازه كي يدفع “المعلوم”، أو مصادرة استثماره ساعة يشاء رجل السلطة أو يريد.
وفي الحديث عن الاستثمار تقول كل الدراسات الاقتصادية كما التجارب اليومية المعاشة، أن تكاليف الإنتاج للسلع أو الخدمات التي ينوي المستثمر أن يستثمر في إنتاجها، تلعب دورا كبيرا في قراره حول الوجهة التي سيوجه إليها ماله الباحث عن الاستثمار وحيث تلعب تكاليف الطاقة ونقل البضاعة ومدخلات الإنتاج دورا كبيرا في تحديد تكاليف الإنتاج. وفي هذا المضمار، يبدو أن القرار الحقيقي هو أنتاج الكثير من الحديث والكلام عن الاستثمار، اما على الارض فالمطلوب هو إغلاق الأبواب أمام الاستثمار. فمنذ ما يزيد عن العشرين عاما يشكل ملف الطاقة “طلسما” استعصى على فهم الأردنيين كافة بعامتهم وخاصتهم، وبما يجعل تكلفة الطاقة وثمن كيلو الكهرباء هو الأعلى في العالم، وبما يجعل أي سلعة تنتج في الأردن تفقد صفة التنافسية مع السلع الأخرى المنتجة في دول العالم الأخرى التي تنتج الطاقة بأسعار تقل كثيرا عن سعر  المنتج الأردني.
ولان ملف الطاقة هو “طلسم” إن لم يكن أم “الطلاسم”، وحيث تشي كل الشواهد أن طلسم الطاقة قد طالت لعناته قطاع النقل، فمن يمسك بقطاع الطاقة ويمنع غيره من الاستثمار فيها، وليمنع دخول أي شريك فيها رغم أن البلاد تتبنى فكرا اقتصاديا ليبراليا، وفي رواية أخرى “نيوليبراليا”. فمن يمسك بقطاع الطاقة ويحتكره يربط قطاع النقل إن كان للأشخاص أو السلع بقطاع الطاقة. فبيع المزيد من البنزين، وكسب مليارات الدولارت من طوابير السيارات المتصلة يقتضي منع أي تفكير بإنشاء شبكات قطار أو ترام أو خطوط أنفاق للأشخاص والسلع، وحيث بات وضع فاعلية شبكة النقل العام في الأردن أشبه بوضع شبكات النقل على الخيول في أوروبا القرون الوسطى، وهو ما يجعل أي مستثمر يفكر الاستثمار في الأردن يفكر في الزمن الطويل وبالتالي التكلفة العالية لنقل بضاعته من مكان لآخر ومن المصنع إلى الميناء مثلا.
في بلادي نتحدث كثيرا، ونمارس كل أنواع الشطط ،ونصول في الحديث ونجول شمالا وجنوبا وفي أربع رياح الأرض لنتحدث عن الاستثمار، ولكننا لا نتحدث أو حتى نقترب من المتطلبات الحقيقية للاستثمار، وهي بنية تشريعية يضمن حسن تنفيذها نظام قضائي فاعل وكفؤ؛ وسياسات عقلانية وشفافة لإنتاج الطاقة وبيعها، وشبكات حديثة للطرق تتيح تنقل الأفراد والبضائع بأعلى كثافة وبأقل زمن وبأقل تكلفة، وهو ما نصر على منع مجرد التفكير فيه.
“مارثا مارثا تتحدثين في أشياء كثيرة، ولكن المطلوب شيء واحد”

اقرأ أيضاً:   عبرة في الحياة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى