والصدر وسع المدى… وماذا بعد؟

والصدر وسع المدى… وماذا بعد؟

سناء جبر


استيقظنا صباح الجمعة على أخبار تتغنى احتفاء بانتصار أهل #فلسطين المؤزر على #المغتصب الجبان، ورأينا جموع المصلين يرتدون أبواب الاقصى مهللين مكبرينن فعيدهم حان وقته… وعاشوا احتفالا بقوة جبراة بأقل الإمكانيات حطمت أسطورة الجيش الذي لا يقهر… لكن غزة العزة والشموخ قهرته ونكلت به وفضحته وعرّته أمام العالم أجمع أقاصيه وأدانيه… لن نقلل من قيمة الإنجاز أبدا فقد قاوموا ما استطاعوا لذلك سبيلا وقدّموا أرواحهم على راحات من زيتون وغضب ولسان حالهم : الكرامة والعزة لا بديل لهما ولا مساومة عليهما، بأقل الإمكانيات واجهوا الدبابات والصواريخ ، بحجارة من نار صبت على الأعداء فكانت مسّ سقر… دبّ الرعب في قلوب المحتلين وما استطاعوا التكهّن بمدى زمني قد يمكنهم من الصمود ، لقنوا العدو درسًا قاسيا أننا شعب ننتمي للأرض ولن نرضى بها بديلا… صبروا وما ضعفوا ولا استكانوا. فرحنا ودمعت منا العيون ابتهاجا بانكشاف الغمة وزوال الليل البهيم من فوق رؤوسهم … فهل ينسى الفلسطيني مشاهد القتل والتدمير والتنكيل بأهله وأحبابه وخلانه ، فهل يتخلص الطفل من مشاعر الرعب والخوف حينما كان يجاول النوم بحض والديه ليستشهدوا معا أو يعشوا معا؟ كيف له أن ينسى مشهد أم قضت أشلاء ولم يستطع تجميع أعضائها … كيف ينسى الشاب صورة والده محمولا على الكفن يفارقه دون رجعة ويتمنى لو كان حلما يود لو يستيثظ منه .. ونحن ، هل بمقدورنا أن ننسى؟ أو أن نتناسى؟ أم هي حلقة مكررة من حلقات الاحتلال ليعد العدة ويستانف من جديد؟ لا بد أننا تعلمنا دروسا عدة من وهم الاتفاقيات الخادعة فهم عنوان الخيانة ونقض العهود ، وليس الأمر بجديد عليهم، فماذا بعد؟ إن عدتم عدنا فحذارِ حذارِ…
ماذا لو ولو ولو … أمنيات وخواطر قرّت في العقول والقلوب وحالت هواجس تعيش فينا وترتسم على محيّانا نتنفّسها بداية كل نهار مؤملين بتحقيق ولو جزء منها… فتكون زوّادتنا لنهارات قاسية عشناها وسنعيشها مترعين بألم ممضّ وقلب يحترق، مخضّبة أراضينا وقد ارتوت من دماء الشهداء الأقدس والأنقى والأطهر … نمضيها نتتبع ونلاحق قنوات إخبارية للقصف على غزة مرة والقدس مرة أخرى وتعمل فيهم القتل والتنكيل. آه كم يصعب المشهد أمامنا فنغطي عيوننا بأدينا ، إنه القهر والألم وفقدان البوصلة، انكسرت ، تهشمت، لم تكن بالأصل موجودة … صور باكية مبكية لأمهات حمين أولادهن بصدورهن وقلوبهن خوف القتل ، فيكونوا بذلك شهودا على المجازر وألوان القتل… وعلى الجانب الآخر، أمهات ثواكل يصدحن بالزغاريد إذ قدمن للأرض أبناءهنّ شهداء ، يعرفن تمام المعرفة أنهنّ أحسنّ وأجدن إذ فعلن وما اهتزّ لهنّ خافق، صمدن وتحمّلن قسوة الفقدان مرة تلو أخرى حتى بتن جلمودا من صخر أشم لا أصمّ ، هنّ صانعات المجد والإباء والنصر الحقيقي.. وهناك في الجانب الآخر رجال ينبشون الحجارة والصخور بحثًا وتنقيبًا عن أطفال دفنوا أحياء بعد القصف ويكون نتيجة البحث إما طفل مدثّربالتراب، ينتشلونه من بين الحجارة والزجاج المهشّم ، أمضى ساعات هناك وقلبه ينبض بحب الوطن نكاية بعدو مغتصب آثم… ظلّ زهرة عند أمه يعينها على فقدان البقية… وإما والدة استشهدت وأطفالها معًا فقد ناموا حلقة واحدة ليعيشوا معا أو يموتوا معا، وقد تكون نتيجة البحث طفلًا يتيمًا لا شيء بقي له في الدنيا سوى الموت والموت والموت ، سواد ينشر أشرعته كما الغراب ينعق بالشر والفقد المحتّم… يتمنى في قرارة نفسه لو فقد هناك أو نالت منه القذيفة كعائلته سواء بسواء. مشهد يعج بالألم والدم والموت والصراخ والقهر والحزن والأسى؛ الصواريخ تتوالى دون توقف ولا رحمة ، في الليل والنهار… لا يهم، فالنتيجة واحدة. وعلى الجانب الآخر نرى مشهد تلك الفتاة التي تبكي أطلال بيتها المهدم وتذرف دموعًا حرّى على أحلامها بمستقبل رسمته بيديها وحفرت له محلّا في القلب بأمنيات عذبة وألوان بديعة ، لكن ذلك الصاروخ أبى إلا أن ينسف كل حلم وأمنيّة برمشة عين ، نسعد معها ونتألم معًا نذرف الدمع دون قصد ولا شعور. الله الله لهذا الشعب كم تحمّل وهان على الجميع وما هانت عليه أرضه وكرامته… كلكم سمعتم عن ذلك الذي استبدل أولاد أخيه بأولاده ، حتى إذا قصف بيته وماتوا جميعا يبقى بعض منه في بيت أخيه، ولو قصف بيت أخيه، يبقى بعض من أخيه على قيد الحياة ، فلا للإبادة ونعم لنكمل مشوار الحياة بقلب أملود ويد تضرب بحجر ولا تقبل ليأس ولا الهزيمة، هم الشعب الحيّ وسواهم موت مندثر. يعشقون الحياة ما استطاعوا إليها سبيلا ولا ينكفئون على هزيمة ويبقى الله معهم يؤيدهم بنصر من عنده يعلو صوته على كل مئذنه ومحراب. الله الله لشعب يستحق الحياة والأرضن عنوانه كبرياء وعزة وأنفة واقتدار وإصرار.
بالمقابل، وعلى الطرف الآخر، لا يهتز قلب ولا يفزّ رمش لأحد من أولئك الذين اعتدنا منهم التشدق بالوطنية والانتماء وحب الوطن. اعتادوا الصمت والاختباء وأخفوا رؤوسهم في التراب فكانوا كالنعام لكن حالهم أقسى وأمرّ؛ فالنعامة هذا طبعها لكنّهم كانوا أكثر ثفوقًا وبراعة منها في ما فطرت وجبلت عليه. تركوهم وحدهم يواجهون وابلًا من رصاص وزخّات من قذائف عشوائية، بصدورهم العارية وبقلوبهم التي تعبق بحب الأرض وتنبض بالوطنية الحقّة يتصدّون لدفقات من صواريخ لا مسار محددًا لها ، صواريخ مجنونة لا تميز بين عسكري ومدني ، بين طفل وامرأة وشيخ وهرم ، بين جندي ومقاتل، بين شجرة ودار، صواريخ حاقدة ملأت الضغينة جنباتها حتى أحرقت الأخضرواليابس وهدمت كل حياة وأبكت كل عين وأدمت كل قلب وقتلت كل مظهر للحب ويتّمت كل طفل ورمّلت الزوجات. أما من نبت في قلبه جذر صغير لحلم بدأ ينمو، فقد قصفته من منبته… صواريخ يطلقها الحاقد والمغتصب والمستوطن والمحتل لتقنص صاحب الحق والأرض وتقطعه أشلاء … صاحب العزة والفخر والتراب المغمس بالدم ، ذلك الذي أقسم أن لا يترك أض فلسطين للجبناء الأذلاء ، ولو على دمه وروحه ، وقد صدق قولًا وفعلًا وما انهزم ، نحن من انهزمنا وامتلأت قلوبنا جبنًا ، اهتزّت الأرض تحت أقدامنا منذ اللحظة الأولى ، منذ الطلقة الأولى والرمية الأولى ، أهي طلقة أم شظية أم طلقة أم عبوة ناسفة أم صاروخ ، لم يعد مهمًا قط، كل ما يهمّ أنّ الوقت حان وقرعت طبول الحرب وأعلن النفير إلا عندنا فقد آثرنا الصمت وأتقنّا الاختباء مرة تلو أخرى. أما أبناء فقد فتحوا عيونهم على الشمس حيث الشموخ والأنفة والعز والكبرياء، وكان عنوانهم : لنا الصدر دون العالمين أو القبر فإما أن تكون أو لا تكون والخيار واضح لا محالة لكل من فيه عرق ينبض، ولا مكان لشكٍ أو تحدٍ، فعندها العاقبة وخيمة… هم يطاولون عنان السماء ولا يسقطون ، يحلقون صقورًا يربطون الأرض والوطن المقدس بالسماء ، يرتقون شهداء صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
ونحن… ما لنا إلا الصمت ، نتفرج من بعيد وإياك أن تقترب، ما أصعبها من حياة ، قلة الحيلة والعجز والصمت المطبق على الصدور والأنفاس، ماذا عسانا نفعل؟ ليس بيدنا إلا الدعاء لهم ولنا بالفرج آجلًا غير عاجل… ندعو موقنين بالإجابة ، ولا ننسى في تلك اللحظات الصعاب والأيام الطوال أن نعلم أبناءنا وبناتنا حب الوطن ليعرفوا من هي فلسطين؟ فيكونوا الجيل القادم المدافع المنافح عن أرضنا بكل ثقة وحب مغموسين بالتضحية ، هذا ما نستطيع أن نقدمه لك يا وطني الغالي: أبناء محبين يدافعون عن ثراك ويعودون إليك فيزرعون ويحصدون وتمتلئ صدورهم برحيق زهرك وعبق وردك وأريج ثمرك. فاللهم ازرع بهم قوة لا تقهر وكرامة لا تهان وصمودا لا ينتهي وامددهم بجنود من عندك ليرد الحق إلى أصحابه.
كم نحتاج لأن نكون واعين؛ فمعركة الوعي قادرة أن تقلب الدوائر، لكن ما يحدث هو النقيض تماما، فلم يبق غير الكلام سلاحًا ننفّس به ونعبّر عن اجتياحات الغضب والرفض والدمار في قلوبنا وعقولنا على حدّ سواء. وما يقضّ المضاجع هو أن الدم العربي هان على العرب أنفسهم أولا وعلى المستعمربن ثانيا ، لكنني لن أمعن في جلد الذات؛ فالقهر بداخلنا كافٍ وقد اقتات على أرواحنا وقدرتنا وطاقاتنا الكثير الكثير، ولن أستمرئ البكاءَ العلنيّ، ولن أكتب من عجز وتخاذل.
‎ لن أفعل ذلك تحديدًا لأن الأمرَ لا يتعلّق بي أنا التي أتحدث عن بعد… بل يتعلّق بما يحتاج الفلسطينيّ سماعه؛ ذاك الذي أمضى الساعات يستخرج الجثث من تحت الأنقاض هناك في غزة العزّة، إنه يتعلق بذلك الذي خرجَ لتوّه من اشتباكٍ في القدس، أو الرملة أو الناصرة أو سواها… إن الامر كذلك يتعلق بتلكَ الفتاة التي تبتسمُ لحظة اعتقالها وتوثيق يديها خلفها وكأن في الأمر نكتة. بتلك الأم التي جاءها خبر استشهاد ولدها فحارت بين التصديق والتكذيب وصدرت عنها شهقة وصرخة شقت بها عنان السماء وغابت عن الوجود ، الأمر يتعلق بتلك الأم التي رأيناها جميعا تساعدهم في حمل كفن ابنها في طريقه للدفن ، رحماك يا الله! أنجبت وربّت وقدّمت للوطن ثم حملت الكفن ودفنت رجلها، عن أي أم جبارة نتحدث؟ عن ذلك الابن الوحيد الذي لحق جنازة والده صارخًا يودّ لو كان ما يعيشه حلمًا بل كابوسًا يستفيق منه ويتخلص من ألمه، لكن هيهات فهو حقيقة واقعة لا يستطيع منها فكاكًا ولا يقظة… ما أشدّ ألمك وما أشد وجعك وفقدك! لا يلام؛ فقد كان أباه وصديقه وحبيبه ورفيقه والآن بات وحيدا خلوًا إلا من الدمع والبكاء والقهر… عن ذلك الطفل الذي أصيب بصدمة جراء الهجومات المتتالية بصواريخ مباغتة مجنونة…عن الأطفال الذي يلعبون معًا لعبة الشهيد فباتوا متقنين لها محترفين يخاف منهم الخوف فلا يقترب…عن ابنة فلسطين التي زفّت للشهادة دون سابق ميعاد وكان يفترض فيها أن تزف إلى عريسها بعد وقت… عن مكان يغص بالوجع وما عرف للراحة طعمًا ولا للهدوء مكانًا، عن المرابط الذي لا يكل ولا يملّ… عن طفلة باتت تحمل راية النصر على أطلال بيتها المهدّم المفتت بعد طول لتلعن لكل العالم أن القدس وغزة وفلسطين برمّتها انتصرت، لنفهم أننا المهزومون ومن سوانا يا ترى؟؟؟ عن الفلسطيني الذي يخوضُ الحرب بجسده المحض، ثم يقرر في لحظةٍ ما أن يستخدم هاتفه، باحثًا عنك، تراهُ يريد أن يسمع بكاءك ونحيبك؟ ماذا بعد؟ متى سيحين وقت الصحوة؟ أما كفانا غفلةً ونومًا؟
‎ في هذا الوقت بالذات، ماذا يريد منك الفلسطينيّ؟ إنه يحتاج أن يشعر بك تقف على قدمين ثابتتين ردفًا وعونًا وسندًا إلى جانبهِ كتفًا بكتف، بكل حالاتك وتصوراتك: حرفيًا وحسيًّا ومعنويًا، أن تكون معه وفيه وله ومنه رغمًا عن كل الصعاب والمستحيلات… رغمَ الجدار العازل وأميال الجغرافيا… رغم الخيانات، رغم المهادنات… رغم تواطؤ السُّلطات… رغمًا عن كل القيود والتبعات… رغما عن كل المضايقات الممكنة والعقوبات المستحقة… نعم، يحتاجك الفلسطيني جانبه، يود لو يراك تؤدي واجبك نحوه ونحو وطنه بصفتك عقبة وغصّة وشوكة عالقة في حلق عدو مشترك بينكما… في عين قلبه وعقله يود لو يراك هناك واقفًا شامخًا فتكون جنديًا آخر في جيشٍ مليونيّ غاضب كشّر عن أنيابه نصرةً لفلسطين فاجتاحُ العالم، لا بد أن تكون جزءًا من تلك القوة الغاضبة التي ترتعدُ منها السُّلطات.. .
أن تكون موجودًا من أجله حبًّا به وشعورًا أصيلًا بالأخوة الموروثة أمر مختلف تمام الاختلاف عن وجودك رغبة في التنصل من ألم الضمير وشعورك بالذنب. أن تستخدم حرفك ، ولغتك ، وقلمك وصوتك لتعبر عنه وتخبر العالم بصحة ما يحدث، لا أن توظف كل تلك الإمكانات لتكتب عنك وعن ألمك ، فليكن الوطن في المقام الأول وما بعده شروحات وتفاصيل طويلة لا نهاية لها. اكتب عن بطولاته لا عن عجزك وقلة حيلتك، سجّل بحرفك قصائد ومدونات ومقالات عن شجاعته لا عن عجزك ، كن اللسان الناطق بحبه والانتماء إليه وانسَ نفسك وتغاضَ عن نرجسيتك ولو قليلًا من الوقت؛ ففلسطين لها حق الصدارة في حياتنا في القلب والشعور والعقل ولا يضاهيها كائن من كان. ولها الغلبة حيثما حلّت وتربّعت. وإياكم والنوم مطمئنين لعدوكم بدعوى الاتفاقيات وألوان الهدنة المختلفة ، تلك التي أثبتت فشلها وغدرها على مر الزمن وباتت وسيلة لإحكام القبضة بدلًا من استرداد حقوق مغتصبة، وستذكرون … ماذا بعد؟
‎ عزيزي، أيها العربي، قبل أن تكتب شيئًا عن فلسطين… فكّر في الفلسطيني الذي سيقرأ؛ تخيّل ما يحتاج سماعه وقُله، فكلماتك لها فعل السحر ، نعم… الأمرُ فعلًا بهذه البساطة.

اقرأ أيضاً:   30 عاما" من مسيرة العمل التطوعي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى