هل تجارنا لصوص ؟ / معاذ البوريني

هل تجارنا لصوص ؟
حدثني صديقي عبد الله عن أخيه عن صاحبه عن ابن عمه أنه قال : كنت أدرس الطب في إيرلندا ، وفي طريقي اليومية ما بين الكلية والسكن الجامعي ، كنت أمرّ ببقالة أشتري منها كأسًا من الكاكاو الساخن ، وكانت هناك بائعة في الدكان تبيعني كوب الكاكاو بـ 18 سنتًا ، وأمضي في طريقي .
وفي يوم من الأيام وأنا متجهٌ إلى بيتي ، مررت بالدكان لأشتري كوب الكاكاو اليومي المعتاد ، فوجدت البائعة قد وضعت رفـّا آخر للنوع نفسه من الكاكاو وقد كتبت تحته السعر ( 20 بنسًا ) ، فأصابني العجب والاستغراب ، فسألتها إن كان هناك أي فرق بين الصنف الذي يباع بـ 18 سنتًا والآخر الذي يباع بـ20سنتا أم لا ؟ فأجابتني : هو الصنف نفسه !! والجودة نفسها !! فسألتها وقد ازداد عجبي واستغرابي : فلماذا تبيعين الكاكاو نفسه بسعرين مختلفين على الرفّ الأول بـ 18 سنتًا والثاني بـ 20 سنتًا ؟!
فأجابتني : لقد حدثت بعض المشاكل في بلد المنشأ نيجيريا التي تبيعنا المنتج ، فارتفع سعر الكاكاو لهذه الشحنة فنبيعها بـ 20 سنتًا ، أمّا الشحنة القديمة فنبيعها بسعرها القديم 18 سنتًا .
فقلت للبائعة : لن يشتري أحد منك الكاكاو الجديد بـ20 سنتًا حتى تفرغ كمية الكاكو القديم بـ 18 سنتًا .
فقالت : نعم أدري ذلك .
فقلت لها : لماذا لا تخلطين الكميتين وتبيعينها بـ 20 سنتًا ولن يستطيع أحد التفريق بينهما فهما منتج واحد في النهاية ، وينتهى الأمر ؟
فأجابتني هامسة في أذني : هل أنت لص ؟
تعجبت أشدّ العجب لما قالته ، وما زال السؤال يتكرّر في ذهني وقد وصل أعماق روحي ” هل أنا لص ؟ ” .
آه يا أصدقائي ، لقد أخذ الغرب أخلاق المسلمين وتركونا بلا أخلاق ، فتجارنا يرفعون السعر بمبرّر وبغير مبرّر ، أذكر أنّ أحد المطاعم الشعبية في منطقة وسط البلد ، عندما ارتفع سعر جرّة الغاز من أربعة دنانير إلى أربعة وربع قبل سنوات ، رفع سعر ” ساندويشة ” الفلافل خمسة قروش مرة واحدة ، و” الشاورما ” عشرة قروش ، فأخرج ثمن الارتفاع بسعر الجرة في خمس سندويشات من الفلافل ….. وأذكر أن تجّار الألبان ظلوا يتحجّجون ويتذرّعون برفع أسعار النفط فارتفع سعر كيلو اللبن عبر سنوات من ربع دينار ، إلى دينار واحد ، ثمّ اخترعوا طريقة جديدة للرفع فقلّلوا كمية العلبة لتصبح بوزن 850 غراما فقط وأبقوها بدينار ، بالرغم من انخفاض سعر النفط بقيمة 40% عن سعره أيام ارتفع ، وكذلك فعل أصحاب محطات البنزين وزيوت السيارات ، فرفعوا سعر زيوت السيارات إلى الضعف وأكثر بحجة رفع أسعار النفط والنقل ، ونزل النفط ولم تنزل الأسعار …. وهناك الكثير الكثير من الأمثلة .
عن الأخلاق أتحدث يا أصدقائي لا عن المال .. وعن دور الحكومة المغيّب تجاه المواطنين الضعفاء أمام تغوّل التجار الجشعين الذين لا يحملون من الإسلام شيئا سوى اسمٍ في الهوية فقط ، فيرفعون أسعار المنتجات في رمضان بالذات أضعافًا مضاعفة ، علمًا بأنهم قد اشتروا بعضها قبل عام أو أكثر .
وفي نهاية حديثي أعيد طرح التساؤل عليكم من جديد ” هل تجارنا لصوص ؟ ” وقد تذكرت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال مناديا معشرًا من التجار : ” يا معشر التجار ، فاستجابوا له ومدّوا أعناقهم ، فقال : إنّ الله باعثكم يوم القيامة فـُجّارًا إلاّ من صدق ووصل وأدّى الأمانة ” وفي رواية أخرى ” إلا من اتقى الله وبرّ وصدق ” . صدقت يا رسول الله ، فلنبحث جميعًا عن هذه النوعية من التجار لنشتري منها ، ونترك فجّار التجّار ونقاطعهم ، وأسأل الله أن يكثر من تجّارنا الطيبين المتقين الصادقين .
أجيبوني أرجوكم فقد طاش عقلي : ” هل تجارنا لصوص ” ؟

اقرأ أيضاً:   لبنان الممكن المستحيل

بقلم : معاذ البوريني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى