نفاق

#نفاق

د. محمد شواقفة

لم يعد يمر يوم دون أن نشهد قصة مثيرة نتشاركها عبر الفضاء الازرق …. و يكون بطلها إما أحد يصرح بإسم الحكومة مازحا بأن حرية التعبير و تمكين الشباب هما ديدن الحكومة أو آخر يبشر بتحسن الوضع الوبائي و لو كره الفيروس… و لا غرو أن لا يعلم أحد بما بحاك هنا و هناك من اتفاقيات… ما دام سعر ساندويتش الفلافل صامدا دون ارتفاع!! … إلى آخر يوزع علينا النصائح تارة بالمجان و أحيانا بأسلوب لا يخلو من المؤانسة و الامتاع …. لا يشغلني كثيرا ما يقوله ” فلان” مطالبا الشعب بأن ” يأكل هوا و يصمت ” و لا يضيرني فعلا ” علان” عندما يوجه لنا اللوم بالأحوال المتردية …. فهذا شأن اعتدنا عليه و لا أعتقد أن أي من الحكومة و النواب و الاعيان و بقية الشعب يملك أي وصفة سحرية لتقديم الحلول لمشاكل البلد المستعصية و المستحيلة ….
في رواية الكاتب ” يوسف السباعي” والتي عنونها بدون قصد ” أرض النفاق ” … لم يصدق المثقف المغرور بأن هناك دكان يمتهن بيع الأخلاق …. و راح يشكك في حقيقة الدكان و يحاول أن يثبت أن البائع الكهل لا يعدو كونه نصابا … فلا يمكن أن تكون الأخلاق سلعة تباع و تشترى….و لكنه بين مكذب يملأ قلبه الشك و مكذب يعتقد أنه يميز بين الحق و الباطل وجد نفسه يفاوض البائع على سعر مسحوق ” الشجاعة “…. فقد كان عليه عرضا خياليا ….” اشتر اثنين و أحصل على الثالث مجانا” …. تردد كثيرا قبل أن يحصل على ” قراطيسه ” المملوءة بما اعتقده ” مسحوق الشجاعة ” …. و لكي لا أبدو كجبان سارق لفكرة ” السباعي ” فقد تناولت أول جرعة لأنني كنت أشعر بالجبن و أخاف أن أنام و لا أستيقظ … لكن النعاس لازمني و لم أستطع مقاومته و استسلمت لذلك الموت المؤقت الذي لم أك أعلم إن كان برجعة أم لا … لم أقو على البوح بأنني لا أرغب بأن تكون نهايتي مملة ولا ” دراما ” فيها …. و بنفس الوقت لا أتمنى أن تكون نهايتي صاخبة و فيها كثير من اللغط و التعاطف و الاشفاق … صرت شجاعا لأتمرد على خوفي … و ماذا لو رحلت …؟! سيأتي أحد ما ليكمل أحلامي و ربما قد يهدم كل ما بنيت و يعيد البناء من جديد … هل فعلا سيلتزم الجميع بالصمت المطبق و يمضون بقية عمرهم يعددون مناقبي ؟! … لا أظن ذلك …ربما قد تشغلهم لحظة يتذكرون مشاكساتي و ربما سخريتي و أحيانا قد يتنهدون ” لقد كان رجلا طيبا”…. و لكن قد لا يتذكرني الكثيرون …” أتذكر ذلك الشخص كثير الحركة …عظيم الازعاج”…. ؟! آه … ذلك الذي كانت صورته كل يوم في زاوية و ركن …لم يعجبني أبدا طريقة لبسه أو ابتسامته الماكرة ؟!…. و قد تضج الصفحات لبضع ساعات بصور سوداء و آيات تذكر كل لاه و تزداد حينها جرعات التدين …فيحرص اصدقائي على الذهاب للصلاة و يستمعون للخطيب الذي كنت انتقده دائما باهتمام …. و لكنهم ايضا يتوقفون امام المسجد يتفحصون بعض البضائع الرخيصة التي لا يحتاجونها …. و أحدهم يقول: لو كان المرحوم هنا لأشترى لأهله ” بكسة باذنجان للمقدوس”…. و يستطرد مباشرة … ” على سيرة المقدوس” … كم وصل سعر تنكة الزيت ؟!
لا أرغب بأن أموت نائما – لو كان لدي خيار – أو ربما لا أرغب بأن أموت …ليس الآن على الأقل …. أرغب أن يسامحني حارس ” المقاثي ” الذي كنا نعذبه راكضا وراءنا عندما كنا نظن أن سرقة ” الحمص ” حلال …. و اتمنى أن يتجاوز أخي عن استئثاري بمصروفه و أنا أكذب عليه بأنني أضعته و أتركه جائعا وحيدا ….. أرغب بالاعتذار عن كذبي على معلمي لعدم قيامي بواجباتي …. لا أعرف إن كان هناك متسعا من الوقت لطلب الصفح من أمي على تقصيري و عقوقي …. لا أستطيع حصر ما لن تحمله يميني …. لكنني لا أرغب أيضا بأن أكون سببا في ألم لمن يحبني و يعتمد علي … و هنا أعترف بأنني جبان … و لا أرغب بتلك الشجاعة !!!
رميت القراطيس المتبقية من الشرفة …. لم أعلم أن الكلب سيلتهمها…. لا أستطيع الخروج من المنزل بعد اليوم …. و لا زلت أخشى النوم و أكره الموت….
عدت للبائع … كان يضحك بصوت عال و كأنه يعرف أنني ندمت و لكنه أخبرني بأن البضاعة التي تباع لا ترد ولا تستبدل …. سألته … ماذا يشتري الناس هذه الأيام ؟!
قال: لقد نفذت آخر حبة من ” مسحوق النفاق” … قلت له : لا بد أنك تمزح….؟!
نظر إلي باستهتار عجيب و قال : ” هل تعتقد انني مسؤول حكومي ؟!!”

” دبوس على النفاق “

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى