نعمة النقمة / أحمد محمد رشيد

أحمد محمد رشيد                                                                                                                   كينغز أكاديمي

الصف الثاني عشر

نعمة النقمة

يجلس الشاب لوحده أسيرا في حجرته الصغيرة، يخرج منها فقط لقضاء أمَسِّ حاجاته، قد مرَّ عدة أشهر على آخر مرة ذهب فيها إلى الجامعة، وعدة أسابيع على آخر طشة مع أصحابه، اشتاق لأمه وأبيه وإخوته وجدته ومعلمه، ظن أن الألعاب الالكترونية والأكل قد يملآن الفراغ الذي يحس به لكن ما نتج عن ذلك إلا انهيار صحته النفسية وارتفاع وزنه، كل ذلك بسبب كائن ضئيل عجزت عين الصقر عن رؤيته، أسماه البعض لعنة، أو وباء، أو مؤامرة، لكن عرفه العلماء ومعظم البشرية باسم كورونا.

وَقفٌ لجميع الأعمال و المدارس، و خلاء في الشوارع صباحًا وظهرًا ومساءً، تَوجهَ البعض إلى العمل والدراسة باستخدام الأجهزة الحديثة وتطبيقات الاتصال، فأصبحت شبكة الانترنت هي الشوارع المزدحمة التي تقود الناس لأشغالها الصباحية، لكن أبدى ذلك فشلا كبيرا في معظم الحالات، فلم تنجح الدراسة ولا العمل، وتجلت عيوب المناهج المحدودة، فنشأ جيل غاب عن الدراسة الحقيقية ما قد يزيد عن سنة كاملة، وكان الحال أسوأ لأصحاب الأعمال والمنشآت والمحلات الصغيرة، هؤلاء لم يستطيعوا التأقلم مع الانتقال إلى العمل عبر شبكة الانترنت فعكفوا في البيوت من غير شغلة ولا عملة، وعجزوا عن إيجاد حيلة تُكسِبهم أي نوع من الدخل، فأحدث ذلك خسائر كبيرة للعائلات و للمجتمعات أجمع.

عجزت الأنظمة الصحية المحلية و العالمية عن إيجاد تفسير مُرضٍ لجائحة كورونا، و لم يستطيعوا صنع الدواء لذاك الداء، فضاع الكثير في كومة ضباب كثيفة، خَوفٌ وهلع من جهة، ومن جهة أخرى تكذيب وادعاءات أن الأمر كله مؤامرة و خدعة من اختراع الغرب للتخلص من العرب، وها قد اخترع العلماء لقاحات تقي من هذا الوباء، إلا أن عدد الحالات المصابة ما زال يتصاعد، ولا زال الحمقى يزعمون أن اللقاح جزءُ من المؤامرة، وأنه آخر خطوة للتحكم بالعرب أو التخلص منهم كليا، فحمانا الله من الوباء ومن العقول الصغيرة و من العواقب التي يتسببها الاثنان.

مع كل تلك الخسائر التي نتجت عن الجائحة، إلا أنها أظهرت بعض التأثيرات الإيجابية على المجتمعات والأفراد، فبسبب الكورونا عاد المغترب إلى أهله، فاجتمع أفراد الأسرة تحت سقف واحد، وتشاركوا وجبات وأحاديث قد اشتاقوا لها، وكان ذلك سببا في إعادة الصلة والرباط بين أفراد العائلة التي كانت متفرقة قبل الجائحة، كما تسببت العزلة للبعض باكتشاف هوايات واهتمامات جديدة قد كانت مخفية في السابق، وقد أظهر وقت الفراغ الفائض إبداعات ومواهب لم نشهدها قط، فصدق من قال: “عسى أن تكرهوا شيئا وهو خيرٌ لكم”.

قد تكون هذه الجائحة أصعب امتحان مر به البعض، امتحان ليس كالامتحانات التي نقدمها في الصفوف وفي القاعات، امتحان تتطلب أسئلته كتبا ثقيلة للإجابة عنها، امتحان لقدرتنا على الصبر والتعاون والتواصل، وامتحان اختبر قدرتنا على الثقة بالله ومشيئته، فمن منا سيجتاز هذا الامتحان، ومن منا قد رسب؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى