موقف عمومي

#موقف #عمومي
د. هاشم غرايبه
#إمام #مسجد الحي الذي أقطن فيه، نحب ترتيله القرآن لعذوبة صوته، لكن مفاهيمه المتطرفة في فهم الدين وأمور الحياة، كونه من السلفيين المتشددين، لا تشجع الكثيرين على سماع دروسه، لذلك وتأدبا مع بيت الله الذي لا يجيز الجدال فيه، يؤثر كثيرون أمثالي عدم حضور دروسه التي يقدمها قبل صلاة الجمعة.
في إحدى المرات القليلة التي حضرت فيها درسه، وجدته يتحدث بفحوى الحديث: “لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها”، الذي يعتبره المتشددون صحيحا، فيما حكمه ضعيف لوجود علي بن زيد بن جدعان [الألباني:ضعيف الترغيب:1215].
كان الشيخ متحمسا لفكرة أن المرأة وجدت لخدمة الرجل، وواجبها الطاعة المطلقة، وسرد قصة حصلت معه، عندما جاءته ابنته المتزوجة بعد زواجها بسنة وهي تشكو بعض طباع وتصرفات زوجها، فهو يتأخر ولا يعتذر عن تأخره، ولا يرد حينما تود أن تسأله متى تجهز الغداء، ، ويخرج ولا يخبرها بوجهته ولا بطول غيبته، ويقول لها أنه ليس ملزما بتبرير غيابه، ولما سأل زوجها أمامها أقر بصحة أقوالها، وعقّب: ألست الرجل في البيت؟، فقال الأب: بلى وهذا حقك الشرعي، ثم ناوله عصاً وقال له: لاحق زوجتك بها ضربا حتى تصل الى بيتها، ولا أريد أن تعودي إلي ثانية، وثم نظر الإمام في وجوه المستمعين (وهم جميعا بالطبع ذكور) منتظرا الإستحسان.
ما صدمني في هذا الشيخ كيف أن نزعة التطرف الذكورية والتي انسجمت بسهولة مع نزعة التشدد الديني (رغم أنها ليست من الدين في شيء) نزعت منه أنقى عاطفة لديه وهي عاطفة الأبوة، فجعلته يتحيز لزوجها.
هو يعتقد أنه بذلك حل مشكلة، لكن تصرفه مع ابنته كانت نتيجته أنه منعها من ان تطلب العون من أهلها إن وقع عليها ظلم، لأن أباها كسر نفسها وحطم آمالها، فأصبح بيتها قبرا له شبابيك، صحيح أنها لن تخرج منه مرة أخرى، لكنها ستعيش حياتها البائسة، من غير أن تطمع بحياة كريمة تخدم زوجها خدمة المحب كإنسانة وليس خدمة العبد الذليل، وتتلقى منه عطف المحب وليس استحسان السيد الآمر.
ربما، وبدافع من مفاهيمة البائدة، لا يعرف هذا الشيخ أن البيت ليست دائرة رسمية، فيها الآمر والمأمور، بل هو عش يجد فيه المرء السكينة، لأنه تعمره المودة المتبادلة، وترفرف فوقه الرحمة والإشفاق المتبادل على بقائه هكذا، جراء حرص كل طرف على كرامة الآخر وعزة نفسه، بلا تسلط من طرف ولا تجبر.
كم في مجتمعاتنا الظالمة من امرأة تعيش مثل هذه المسكينة؟، كسيرة النفس صابرة، تسريتها الوحيدة في رؤيتها أبناءها يترعرعون أمامها، تعلق حصولها على نصيبها من السعادة الى حين تراهم قد كبروا وتزوجوا.
لقد قاومت قيم البداوة الجاهلية كل المتغيرات الحضارية والتقدم الذي جاء به الدين، وفرض المتطرفون من أنصار الاستبداد الذكوري رؤيتهم على الدين، فأخذوا من أحكامه ما يتوافق مع عُقدهم وأمراضهم النفسية، ففرضوا على المرأة قيودا مشددة، موافقة للتقاليد القبلية الموروثة، وجعلوها من أحكام الدين.
أمثال هذا الشيخ كثر، ويأخذون من الدين ما يوافق نزعاتهم، ويتركون ما ينقضها، فتراهم يمرون على الحديث النبوي الشريف: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي” مرورا سريعا، فيما يتوقفون طويلا ويفيضون عند حديث: “..مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ “، والذي رغم اختلاف رواياته، يعتبر في نظر المحدثين ثابتا، مع أن مفهومه يتعارض مع مبادئ شرعية راسخة، مثل “الجنة تحت أقدام الأمهات”.
كما أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وحياته اليومية كانت تشير على الدوام الى مودته لأزواجه ومساعدتهن في أعمال البيت وحرصه الشديد على مشاعرهن، ولم يرِد يوما أنه ضرب زوجته أو نهرها، بل كان يتجاوز عن بعض هفواتهن، كما حدث عندما دفعت الغيرة عائشة الى كسر طبق الطعام الذي أرسلته صفية رضي الله عنهما.
هكذا نستخلص أن التفاهم وحسن التعامل بين الزوجين هو الإسلام، وأن التسلط الذكوري هو مرض جاهلي موروث مستوطن، لم يتمكن الإسلام من شفاء المصابين به، بل أدخلوه في الدين، ليصنع التشدد المقيت والتطرف المدمر.

اقرأ أيضاً:   رسالة إلى رئيس لجنة تحديث المنظومة السياسية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى