من المستفيد من الزجّ باسم العشائر كأداة سياسية؟ / تمارا سمير البغدادي

من المستفيد من الزجّ باسم العشائر كأداة سياسية؟

القصة – باختصار – أن أحدهم كتب مقالاً في إحدى الصحف ، فانتقد مقالَه أحد أصدقائي المقربين الذي أعتز بفكره النير ، وأبدى رأيه حول المقال ، فما كان من رواد صفحته ومتابعيه إلا أن انهالَ بعضهم على بعض بتبادل الألفاظ النابية ، ليتغير الحوار فيما بينهم من تفاعل مع ما انتقده الصديق إلى حرب عشائرية غوغائية .

زميلي لم ينتقص من عشيرة كاتب المقال ، فلمَ كل هذا الهجوم ؟ هو لم يتطاول حتى على كاتب المقال ! ومن يا تُرى أخبرهم أن هذا الكاتب أو غيره يمثلون العشيرة ؟ هم عندما يكتبون مقالاً ، فبصفتهم كمفكرين ومحللين سياسيين يروجون لوجهة نظرهم التحليلية إزاء موضوع أثار قريحتهم، وطالما أنهم يكتبون في قضايا تثير الرأي العام فيحق لأي شخص كان أن ينتقد هذه الكتابات التي تعبر عن الفكر الذي يتبناه هذا الكاتب، فلمَ يُزجُّ باسم العشائر ونرى هذه ” الفزعة ” بالدفاع المستميت عن شخص في حينِ أنّنا بصدد أمرٍ هو أكبر من هذا الشخص؟ لمَ يتم شخصنة القضية والابتعاد عن محاورها الأساسية بدلاً من مناقشتها بطريقة حضارية ؟! ألا يعتبر هذا التصرف بمثابة اغتيال للقضية؟ لمَ لا نترك الفتن جانبا و نرتقي بنقاشنا ؟!

اقرأ أيضاً:   الإدارات التربوية بين الأمس واليوم..!

أعلم يقيناً أن أي شخصية عامة لها معجبوها و لها معارضوها ، وقد تكون هذه الشخصية من الشخصيات المحترمة و ذات قيمة اعتبارية، لكن هذا لا يمنع انتقادها ؛ فوجهة نظرهم الشخصية نحترمها حتى وإن اختلفنا معها، أنا لا أرى أدنى داعٍ لتجاوز حدود الأدب التي تمثل أصحابها ولا تعنينا، من يظن بأنه بهذا السلوك سيسلبنا حرية التعبير فهو مخطئ ؛ فلا يزال هناك من يكتبون بضمير بناءً على قناعات راسخة بأن عليهم قول الحق ولو لم يُعجب البعض ، لا نلزم أحدا بالاقتناع بها ، وهناك أقلام مأجورة رخيصة ، و الغالبية العظمى تعي أن هناك من يقوم باستئجارها لتهاجم خصومهم ،و نحن لسنا مرغمين أن نكون أتباعاً لمثل هذه الأقلام ؛ فقد اعتدنا الحرية ، و لو هُيِّئَ للبعض أنهم قد يسلبوننا إيّاها، فنحن أحرار حتى النخاع ، و لمْ نُخلق لنكون كالعبيد ؛ فقاماتنا الوطنية معروفة للجميع كوصفي التل وحابس المجالي ، ولا أعتقد أن هناك وجهاً للمقارنةِ بينهم وبين من يدّعون الوطنية ؛ فكفاكم مزايدات .

لقد أباحت سلبيات العشائرية سفك دمائنا، فإلى متى سنبقى مكبّلي اليدين ؟ وأنا لا أتكلم عن هذه الحادثة بالتحديد ؛ فكثيراً ما يتعرض الكاتب إذا انتقد فساد “سين” من الناس بأن يخرج له – من عشيرة من انتقده – من يتهم الناقد بمهاجمة شرف و سمعة العشيرة ، ويولي نفسه محامي الدفاع عن العشيرة ويستخدم كل أسلحته الفتاكة للنيل من الناقد ، فتارة يستهزئ بفكره وتارة يحقره وأخرى ينهال عليه بوابل من الشتائم ، أو يحاول أن يوحي للمتابعين أن هناك تراكمات شخصية دفعت الناقد للنقد، ناهيك عمّن يتهم الناقد بشرفه أو سمعته أو تصرفاته ليقلب الموازين ويحوله إلى فاسد ، بل هناك من يتجاوز كل هذا ويبدأ بالتهديد و الوعيد ، و في ذات الحين نرى مجموعة من المساندين للناقد يردون بنفس المستوى لتبرئته من التهم المسنَدة إليه ، وبين هذا وذاك تضيع القضية الرئيسية التي كُتب لأجلها المقال .

اقرأ أيضاً:   التعليم والتطرف: محاولة للفهم (2/3)

متى سيفهمون أننا نحترم العشائرية ونقدرها ونعتز بها، لكننا ضد الفاسدين الذين لا يمثلون سوى أنفسهم، متى سيدركون أن انتقاد شخص لا يعني انتقاد العشيرة ، و أنّ فسادَ فرد في العشيرة لا يعني فساد كامل العشيرة، إلى متى سيستمرون بظلم العشائرية بغوغائيتهم ؟

إن من يقزم العشيرة لمستوى مقال فهو شخص غير متوازن فكرياً… فلترحمونا ودعكم من العصبية الجاهلية التي أغرقتنا بالوحل ؛ فأنا على استعداد لدفع عمري مقابل التعرف على من أقنع هؤلاء بأن العشيرة هي الشماعة التي تُلقَى عليها أخطاء و فساد وموبقات المنحلّين فكرياً وسياسياً واجتماعياً ، أتساءَل وانا أعي الجواب : “حين يتم نقد شخص معين ، لمَ نجد دائماً من يزج باسم العشيرة والدفاع عنها؟” ترى هل خَتْمُ الأعراب في نقاشتنا هو التجريح والشتم و الذم والقدح والعنصرية ؟ ما المانع بأن يتم النقاش بفكر مستنير وأدب وعقلانية واحترام للآخر ؟ أين حرية الرأي التي نتغنى بها يا مجتمعاً مُشبعاً بالتناقضات والمعايير المزدوجة ؟!

اقرأ أيضاً:   نتائج الثانوية العامة وتوتر الانتظار

ها هي الانتخابات البلدية تقرع طبولها ، و دعوات افتتاح المقرات الانتخابية تُوجَّه لنا من كل صوب و قُطر ، و قد لبّيت العديد منها ، وفي كل مرة أسمع من يطالب بفزعة العشيرة ! أوتفزعون على حساب الصالح العام ؟ ألم نتعلم بعد أبجديات حرية اتخاذ القرار ؟ ألم نُعانِ الأمرّين من انتخاب من هم غير جديرين بالمناصب التي تقلدوها بسبب هذه الفزعة الوهمية ؟ كلّي أمل أن أستيقظ صباح الانتخابات لأجد الناخبين يتوافدون لانتخاب من هو أصلح لخدمة وطني بناءً على قناعاتهم الشخصية بدلاً من الاعتبارات و “المونة” العشائرية.

Twitter @tamaralbaghdadi
[email protected]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى