مناهج تثير الهوائج / معاذ البوريني

مناهج تثير الهوائج

كثر الحديث عن المناهج في الآونة الأخيرة ، وأردت التريث قبل الكتابة عنها ، حتى أطّلع على بعضها فلا أظلم أحدًا من القائمين على (تطويرها) إن صحّت التسمية ، ولكنّي بعد الاطّلاع على بعض محتواها ، وبخاصة اللغة العربية والتربية الاجتماعية ، أيقنت بأنّ فيها العجب العُجاب ، وآمنت بأنّ من هاجم هذه المناهج على حقّ وليس مُدّعيا أو حاقدًا يريد تصفية الحسابات مع وزير التربية والتعليم .
سأسمّيها من اليوم فصاعدًا الهوائج ، فهي ستثير رياحًا تهيج في قلوبنا غـِلاّ وحـِقدًا على من قام بتغييرها كائِنًا من كان ، وقد تـُطيح هذه الرياح الهوائج بمناصب متنفذة في وزارة التربية ودائرة تطوير المناهج ، فبئس التطوير هو إن كان بهذا الشكل .
لقد نـَسِيَ القائمون على المناهج والمطوّرون لها تمامًا أنّنا في دولة إسلامية ينصّ فيها الدستور على أنّ دين الدولة هو الإسلام ، وأنّ ملك هذه البلاد هو حفيد أشرف المرسلين سيدنا محمد عليه أشرف الصلاة والتسليم ، فشطّوا في أفكارهم بعيدًا ، حتّى أضاعوا بوصلة الوطن وقبلته واتجاهه ، وكان أوّل ما يـُتـَهَجّمُ عليه بدعوى التغيير هي لغتنا العربيّة يا سادة ، تلك اللغة التي تـُحارب منذ سنين لهدمها وإضعاف العرب الذين هم مادتها ومادة الإسلام ، فيأتي هؤلاء المطوّرون المخرّبون ليكونوا سندًا لمن يقتُلُ لغتنا .
نظرت في كتاب اللغة العربية للصف العاشر ، فوجدت أنّ الكتاب قد مــُسـِخ ، فأصبح كتاب العربية ( دايت ) مختصرا وقسمت مادة الفصل الأول في النحو على فصلين ، وكأنّ النحو لا أهمية له ، أذكر أن عمر بن الخطاب قال : ” تعلموا العربية فإنّها من دينكم ” والمقصود بالعربية هنا النحو ، وقال أيضا :” تفقهوا في العربية فإنها تزيد في العقل وتثبت المروءة ” صدقت يا عمر ، ولكنهم يريدون جيلا بلا عقل ولا مروءة ، فأنت عندهم سيد الإرهابيين ، ودينك دين الإرهاب ، لذلك فإنّ فاطمة لن تسافرإلى مكة بعد اليوم ، وستسافر بدلا منها سامية إلى لبنان ، للسياحة والرقص ولحضور مهرجانات الموسيقى ومحبوب العرب ، أما كتاب المهارات فقد أزيلت دروس معينة لها أهميتها ، فعلى سبيل المثال استبدل درس جديد اسمه صاحب الجنتين بدرس آيات من سورة الإسراء ، أعلم أنّ الاثنين من كتاب الله ، وكلّ كلام الله عزيز ورائع ، ولكنّ مضمون الآيات مختلف ، فالآيات من سورة الإسراء كانت تتحدث عن بر الوالدين وطاعتهما ، تلك الأخلاق التي يجب على الطالب أن يتحلى بها وخاصة في سن المراهقة وهو سن طلبة العاشر ، وتتحدث كذلك عن أصحاب القرابة وحقوقه عليك وطرق إنفاق المال والحثّ على عدم الزنا والتنفير من فعله ، وعدم تتبع عورات الناس ، وفيه آية أجزم بأنّها كانت سبب حذف الدرس في مفهومهم ، وهي قوله تعالى : ” ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق ….. ” فمن يعرف الحقّ ويفسّره جيدا سيعلم أنّ واضعي المناهج لا تعجبهم هذه الآية ، ولا الأخلاق التي تحثّ عليها الآيات عامة ، فوضعوا قصة الرجل صاحب الجنتين الذي تكبر واغترّ بما يملك ، فكرة واحدة في الآيات وبالطبع فهي ليست كآيات الإسراء في أهمية الطرح للمؤمن في سن المراهقة .
ووضعوا للطلبة في الكتاب نفسه مسرحية لتوفيق الحكيم عن أهل الكهف ، وطبعًا أطلق على أهل الكهف أسماء لا أدري هل هي من عقله أم من الإسرائيليات من مثل ( مشلينا و مرنوش ودقيانوس ويمليخا ) ويقرّ الكاتب بأنّ عدد من في الكهف هو ثلاثة وكلبهم الرابع !! ماذا سيقول المعلم لطلبته عن عدد أهل الكهف ، هل يلتزم بأقوال الحكيم أم يعلّمهم ما ورد في سورة الكهف من أنّ عدتهم لا يعلمها إلا الله؟!!
أما سورة الفرقان في الصف الأول الثانوي التي كانت تتحدّث عن صفات عباد الرحمن ومشيتهم وتصرفاتهم مع الغير فغيّرت لسورة النور ، التي تتحدث عن الله وضرب المثل به بالنور وفيها ضرب المثل لأعمال الكافر والمؤمن ، وبالطبع كانت الآيات من سورة الفرقان أنسب للمرحلة العمرية التي يجب فيها أن نعمل على تهذيب أخلاق الطالب الذي يخرج لمجتمع يعاني من انحطاط أخلاقي .
وبالمناسبة فقد ذهب شعر المتنبي والحطيئة سـُدىً، المتنبي هذا الشاعر الذي ملأ الدنيا شعرًا ألقي في مزابل التاريخ شعره ، وغاب أبو فراس الحمداني الفارس الشاعر إلى الأبد ، الذي غنت قصيدته أم كلثوم ، وجاؤوا بشعر ميخائيل نعيمة بقصيدة عادية باسم النهر المتجمد وقصيدة أخرى لشاعر حديث مغمور أنْسيتُ اسمه…….. منهاج العربية صار هزيلا لا يكاد يقف على رجليه .
ويظهر أنّ الدين مهاجم بقسوة في المناهج الجديدة ، فكلمة الغزوات لا يسمح ورودها في الصف الثالث فاستعيض عنها بازدحام الناس في درس من أسماء الله تعالى ، وحُذف درس في خانة ” اقرأ واستمتع ” عن عمر بن الخطاب ، فأقوال عمر لا تنفع للاستمتاع ، فجاء الأرنب الذكي بدلا منه !!!
وقصيدة البوصيري المعروفة بنهج البردة ، في قسم المحفوظات تتحوّل إلى ” التكنولوجيا تتكلم ” لأنطوان بركات ، ما هذا السخف ، اتقوا الله في الأجيال التي ستلعنكم يومًا ما ، وصلاح الدين الأيوبي يحذف من درسه صفة المسلم ، لماذا بربكم ؟؟؟؟ هل صورة الرجل بذقن تعني أنه إرهابي عندكم ؟! إذا فليتساوى في ذلك الراهب المسيحي والحاخام اليهودي والشيخ المسلم ! وهل صورة المرأة بحجابها تؤذيكم ، ضعوها إذا تلبس ملابس السباحة أفضل ، وهل صورة الأطفال الذكور وحدهم في رحلة تؤذيكم فتخلطون الذكور بالإناث أفضل عندكم ؟!! لقد بدأ الغرب منذ سنوات في أمريكا سنة 2006 بالسماح بالمدارس أحادية الجنس نظرا لما صدر من أبحاث تشير إلى أفضلية المدارس أحادية الجنس وتفوق مخرجاتها التعليمية .
قبل يومين ثارت ثائرة الشعب الجزائري لإطلاق اسم إسرائيل في كتاب الجغرافيا على خريطة فلسطين التاريخية ، فأحرقت الكتب وثار الناس على الحكومة ، فكيف لو حدث بهم ما حدث لنا في المناهج السخيفة الجديدة ؟! لماذا تقامرون بشعب الأردن وردّات فعله ؟! لماذا تحاولون إثارته بكلّ وسيلة ، يا سيادة وزير التربية محمد ذنيبات ، قف موقفًا حازمًا يذكرك فيه التاريخ ، فإمّا أن تـُحمدَ يومًا أو تـُذمّ ، ومهما طال الزمان بك على هذا الكرسي فستفارقه ، وَعــُـدْ للمناهج القديمة هذا العام قبل بدئه فعليًا ، فالاعتراف بالخطأ فضيلة ، وعـَرَفناك فاضلا ، وإن كنا دولة ديمقراطية بحق كما يريدها جلالة الملك عبد الله بن الحسين فاستمع لرأي الشارع ، لا رأي بعض الكتاب والكاتبات المحسوبين على تيار منبوذ في مجتمعنا ، ولا تنسَ أنّ هذا الفعل الذي تسلكونه في الوزارة والمناهج سيحدو بالناس لمحاولة استقاء العلم العربي والديني من مناهل أخرى قد لا تستطيع الدولة مراقبتها . وفي النهاية أذكركم بقول الرافعي في وحي القلم : ” ما ذلّت لغة شعبٍ إلا ذلّ ، ولا انحطّت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار ” فهم يريدون إذلالنا بإذلال لغتنا ، واحتلالنا باحتلال فكرنا فلا تكونوا عونًا لهم على ذلك .
ويا ملك البلاد يا سليل الدوحة الهاشمية انتصر لجدّك ودينك وربك ، ففاطمة جدّتك لم يعد اسمها مشرفًا لمناهجنا ، وغزوات جدك لم تعد مرغوبة فيها ، وعمر الفاروق قدوتك وقدوتنا في العدل غاب إلى سنين قادمة والله وحده أعلم متى سيرجع ، ولا ناصر للغة والدّين كما يبدو إلّاك يا جلالة الملك فقل فيها ردًّا يشفي صدور قوم مؤمنين ونضع الأمر بين يديك لتنصفنا أخيرًا .

اقرأ أيضاً:   ترتيب جامعاتنا عربياً حسب تصنيف QS..!
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى