محمود

#محمود

مصطفى وهبي التل

لعله العمر الذي قادني نحو موجة من البكاء غير المعهود عند سماع خبر وفاتك.
لعله اصراري على عدم زيارتك في المستشفى حتى تبقى صورتك وابتسامتك قبل المرض هي المطبوعة في ذاكرتي.
لعله الحزن على الرحيل المبكر الصادم.
رحل محمود ولا أستطيع حتى الآن أن أحبس الدموع.
نعم رحل المهندس الزراعي النقابي والحراكي المحبوب من كافة الأطياف والأطراف.
رحل نقيب المهندسين الزراعيين السابق والذي، مع احترامي لكافة النقباء السابقين، جعلني، وجعل غيري، يدركون لأول مرة ان لدينا نقابة للمهندسين الزارعيين.
رحل محمود الذي كان يستحق كل الألقاب وكل المناصب لكن اللقب الأهم، والأغلى، على قلبه كان لقب (جدو).
لكن قبل كل هذه الألقاب وهذه المناصب، وقبل أن يصبح محمود جَّداً، كان محمود ابن خالي الأقرب لي عمراً.
إبن الخال العنيد المتمسك برأيه والذي (حرد) في صغره وأمضى معظم الليل باكياً في زاوية في منزلنا لأن خالي رحمه الله عليه وام محمود، أعانها الله، اعتبروه طفلا. بالتالي لم يصطحبوه معهم لعشاء أثناء زيارتهم لعمان من الحسا وطلبوا من والدتي أن يبقى محمود والأعزاء محمد وأحمد عندنا أثناء العشاء.
رحل محمود الذي عندما انتقل خالي العزيز من الحسا إلى عمان، أسسنا مع اخوانه وأفراد حيه فريقا لكرة القدم وكان هو كابتن الفريق لعباً وقيادةً.
رحل محمود شريك طريق عمان – اربد إلى مضافة التلول. ولطريق اربد مع محمود نكهة خاصة: تارة يضحكني بقصة وبطرفة، وتارة يشاركني الحزن على وضع بلدنا. تارة يفرض علي الابتسامة بالأمل الذي كان دائما متمسكا به، وتارة يشعل غضبي على حال بلدنا المتدهور.
رحل محمود الذي تشاركت معه في هواية جمع الطوابع وتبادلها.
هل تذكر يا محمود آخر لقاء لنا؟
كان حمزة الشبل معنا وتحدثنا عن الطوابع التي انقطعت أنت عنها لفترة لكنك كنت ترغب بالعودة إليها. أذكر كيف طلبت من حمزة أن يتذكر ما قلته عن الاصدارات الأردنية الجديدة وشرائها أولا بأول.
هل تعلم يا محمود انه منذ ذلك اللقاء وعند صدور مجموعة طوابع جديدة أقوم بشراء مجموعة لي ومجموعة لك طمعاً في اهدائهم لك وطمعاً لعودتك شريكا لي في هذه الهواية.
لكنك رحلت يا محمود.
رحلت وكعادتك في الإيثار وفي الاهتمام بشعور الآخرين لم ترحل فجأةً حتى لا نفجع بك بقسوة. حضرتنا لوداعك ولفقدانك. طلبت منا الاستعداد بصبرك وإيمانك.
معذرة يا محمود، لكن لم تنجح محاولتك.
لأننا بالرغم من معرفتنا بوضعك لم نفقد الامل بعودتك إلينا. وفي قلب كل محب لك كان هناك أمل بشفائك وعودتك لمحبيك ولأبنائك ولاحفادك.
تقبلنا ان تكون طريح الفراش على أن لا تغادرنا مهما كان الوضع متعباَ لك.
كنا نعمل بأنانية ونرفض ان نقبل استعدادك للقاء الخالق.
لم نرغب برحيلك يا محمود.
لم نرغب بأن نقول وداعاَ.
لكنك رحلت …
رحمك الله يا ابن خالي. يا كابتن فريقي. يا ابن مدرستي. يا صديقي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الله يرحمه ويغفرله ويجزيك الخير على كلامك الطيب النابع من القلب لانه وصل القلوب مباشرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى