مبتدأ وخبر

مبتدأ وخبر
د. هاشم غرايبه

المبتدأ: التقت عاملتا نظافة، تعملان في تنظيف البيوت، فشكت إحداهما الى الأخرى الشقاء الذي تعانيه، فهي متعاقدة مع ثلاثة عمارات على تنظيف أدراجها، ويستغرق ذلك نهارها كله.
فسألتها من أين تبدأين التنظيف؟، ردت: من المدخل صعودا الى الطابق الأعلى.
فقالت لها: هنا خطؤك، فالتنظيف لا ينجح إلا أن يبدأ من الأعلى الى الأسفل.
الخبر: أُقِرّت الموازنة العامة للأردن لعام 2021 بعجز مقداره 2 مليار دينار، وبرره وزير المالية بأن حمّل جائحة الكورونا وتأثيرها على الاقتصاد الوطني وبخاصة في قطاع السياحة، حمّلها المسؤولية عن ذلك، مع أن كل الميزانيات السابقة للجائحة كانت تعاني من العجز ذاته.
ورغم أن الحديث الرسمي يصر على مراعاة أحوال المواطنين الصعبة والتوقف عن فرض ضرائب جديدة أو رسوم أخرى غير المفروضة الى الآن والتي تزيد عن ثمانين ضريبة، أغلبها سميت رسوم، إلا أن ما يتم حقيقة هو التوسع المضطرد في الجباية من المواطنين، فقد وزير المالية أشار الى الحاجة الى المزيد من الإجراءات القاسية في ظل انكماش حجم المساعدات الخارجية، وإلا فالبديل التوقف عن تسديد الدين الداخلي والخارجي.
واذا ما علمنا أنه لا يمكن أن تتوقف الحكومة عن سداد القروض الخارجية ولا حتى فوائدها التي تزيد على ثلاثة مليارات سنويا، لأن ذلك يعني توقف تلقي الأردن المنح والقروض الخارجية، سنجد أن الحكومة لن تتجرأ إلا على القروض الداخلية، وعلى رأسها القروض من مؤسسة الضمان الإجتماعي (حصالة الأردنيين التي يدخرون فيها لضمان راتب تقاعدي) والتي زادت على ثمانية مليارات دينار.
وإذا ما علمنا أن الحكومة قررت في العام الماضي عدم ادراج القروض الداخلية في سجلات الدين العام، علينا أن نشعر بالقلق على مدخرات الأردنيين.
المصيبة أنه في أي حديث عن اصلاح اقتصادي يتم تجنب المساس بحصة الحيتان، ويتم إغفال المبالغ الفلكية التي يتقاضاها كبار موظفي الدولة، وخاصة المدراء العامون لما يصطلح عليها بسمى الهيئات الحكومية المستقلة، وهي ليست مستقلة إلا في كون كادرها الوظيفي غير خاضع لتعليمات وكادر ديوان الخدمة المدنية، حيث يتقاضى مديرها العام ومعاونوه مخصصات تعادل رواتب مائة معلم، وفي كل عام يخصص لدعم موازنتها ما يزيد على مليار ونصف المليار دينار من أموال الخزينة، في حين ان اسهامات عائداتها في رفد الاقتصاد متواضعة، وعمليا غير منظورة.
بالرجوع لتاريخ تأسيس هذه الهيئات نجد أنها تزامنت مع الخصخصة المشؤومة منذ عشرين عاما، التي دمرت الإقتصاد الأردني، عندما تم بيع موجودات الوطن بذريعة ادخال شريك استراتيجي، فلم يأت هذا الموعود، لكن بيعت المؤسسات التي كانت تغذي الخزينة، وتبخرت عوائدها، ليتبين فيما بعد أن هذه الهيئات أوجدت لهدفين:
الأول: إفراغ المؤسسات الرسمية من الادوار والوظائف التقليدية المحكومة بالقوانين والاجراءات لحساب الهيئات التي تسهل أعمال الخصخصة والتشغيل وإدارة البرامج والمنح والإعانات بآليات ومنهجيات لا تخضع للأسس المتعارف عليها.
والثاني تنفيع المحاسيب من أعمدة النظام الذين تواطأوا على تنفيذ تلك العمليات المشبوهة لصالح كبار المتنفذين، فكانت بتعيين أبنائهم وأنسبائهم الذين لايمتلكون الكفاءة للمنافسة بالمواقع العامة، كأعطيات لضمان الولاء وتأليف قلوب الوجهاء.
لذلك لم نر في إقرار الموازنة أي محاولة لتخفيض ميزانية هذه الهيئات المتضخمة بشكل دائم لإرضاء المحاسيب المتزايدة أعدادهم سنويا بسبب سياسة الدولة العميقة التي ترتكز على امتصاص النقمة الشعبية جراء متلازمة الفشل والفساد السائدة، عن طريق شراء ذمم الزعامات العشائرية والقبلية وكبار الضباط المتقاعدين، بتلك الأعطيات.
وإذا ما تفحصنا رواتب ومخصصات الطابق الأعلى، سنجد أرقاما مذهلة أكثر، لا تتناسب مع دخل دولة يعتمد اقتصادها على الضرائب والرسوم والقروض.
لذا فأي تقليص للعجز يجب أن لا ينصب على جباية أموال الفقراء، فالحل في جز صوف بضعة كباش بدلا من مئات الحملان، فالكبش لديه صوف وفير ويختزن الكثير من الدهن فلا يناله ضير، وأما الحملان صوفها قليل وسيقتلها البرد.
الإصلاح كالتنظيف يجب أن يبدأ من الأعلى الى الأسفل، وإلا فلن ينجح.

اقرأ أيضاً:   مآلات الانقلاب في تونس
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى