ماذا حدث بالقاهرة سنة 88…الجزء الأول

ماذا حدث بالقاهرة سنة 88…الجزء الأول
بقلم فراس الور

(هذه #الرواية بكافة اجزائها من وحي خيال الكاتب، فاي تشابه بين احداثها و شخصياتها مع #احداث و #شخصيات في الواقع هو نتاج الصدفة و غير مقصود)
نظر مراد مهران الى الطريق الرمادي امامه، كانت ساعة يده تشير الى الثامنة مساءا، كانت طريق سفرٍ طويلة حيث كان يتجه من القاهرة الى الساحل الشمالي، كان الحر الخانق في اوجه فلسوء الحظ كان التكيف معطل في السيارة الذي يقودها، اسعفه منديل في جيبه من نوبات العرق التي كانت تجتاح جبينه و تنزل على عينيه لتحرقها من حين لآخر، فكان يقود بالليل و التركيز على الطريق مهم جدا خصوصا و ان اعمدة الإنارة لم تكن متوفرة جيدا على امتداد الطريق، لم يكن الحر المشكلة الوحيدة بل كانت الرطوبة عالية في الأجواء حيث اشارت التنبؤات الجوية التي سمعها على الراديو ساعتين قبل سفره بأن منطقة شمال اقريقا تتأثر بمرتفع جوي سيرفع درجات الحرارة الى الخسمة و الأربعين درجة في القاهرة نهارا و الى الأربعين ليلا، لذلك استعد جيدا للسفر فوضع في سيارته بعض عبوات من المياه المعدنية في براد في داخله ثلج و علب العصير و بعضا من الشطائر و الواح البسكويت الحلوة في حال انخفض معه سكر الدم،

كانت الطريق قديمة ذات اسفلت رمادي غامق و مهترئ يروي للمسافر عليها كم استنفذت المركبات و الشاحنات صلاحيتها و اردتها غير صالحة في بعض من مساحاتها للقيادة، كم مرة وعدت الدولة المواطنين بإصلاحها و لكن في كل مرة كان يؤجل المشروع الى اجل غير مسمى، ربما لأنها طويلة و تحتاج الى ميزانية كبيرة لإصلاحها، لم يعلم ما المشلكة، و لكنها خطر بكل الظروف و يجب على المسافر عليها الحذر اثناء القيادة، كانت الرحله لا تزال طويلة و امامه لا يقل عن 230 كليومترليقطعها فطريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي كان شريان حيويا لا بديل عنه للوصول الى الساحل الشمالي، قد يصل في الحادية عشرة ليلا اذا استطاع القيادة بصورة متواصلة، او مع استراحة نصف ساعة قد يصل في الثانية عشرة على اكثر حد، قرر تحدي ذاته و القيادة من دون العشاء و تاجيل حبة سكر الدم الى ما بعد السفر، فصفوت الجندي مالك الشركة التي كان يعمل بها كان ينتظره بفارغ الصبر في الشاليه الخاص به ليعطيه الذهب و الشبكة لفرح ابنه يوسف، فكان الفرح بعد اسبوع في فيلته بالقاهرة و لكن كان يريد ان يهدي يوسف الشبكة التي اوصى الجواهرجي عليها خصيصا بنفسه كمفأجئه، فكانت هدية فرح راقية و ثمينة كلفتها ثمانون ألف جنيه تمت صناعتها خصيصا للمناسبة في بريطانيا،

كان مراد سائق صفوت الخاص، و كان ذراعه الأيمن في تجوالها بين افرع شركاته و مخازنها الموزعة في انحاء مختلفة داخل القاهرة و في بعض من محافظاتها، فكان يثق به ثقة عمياء حيث عمل لديه لعشرة سنين دون انقطاع حتى اصبح مرافقه الدائم حتى في بعض الأحيان في سفره الى بلاد الخارج، فكان مراد ضابطا متقاعدا من الجيش و يبلغ من العمر الستين سنة، كان طويل ضخم الجثة عريض المنكبين مفتول العضلات و يتمتع بلياقة عالية، فلذك كان صفوت يشعر بالآمان معه و يطلب خدماته كحارس شخصي في سفره الى الخارج، فلكل ناجح اعداءه و كان لصفوت منافسين شرسين يسعون الى تحطيمه بالسوق، و كان يخاف من مكائدهم كثيرا و خصوصا في سفره الى الخارج حيث كان يسعى من حين لآخر لإبرام صفقات مع تجار اوروبيين لشراء علامات تجارية لتوزيعها في مصر، و لن ينسى مراد موقفا حصل معه كاد ان يقتل به صفوت لولا استطاع حماية ظهره و الإمساك بمن حاول التعدي عليه و قتله، فكان في ذات مرة معه في ايطاليا، و كانا يزوران مصنع معروفا للمعكرونه، و سعى منافسا لهم للدخول على الخط مع الشركة الإيطالية لشراء الوكالة قبل صفوت، و بأعلى سعر حاول ياسر البهنساوي شراء وكالة المعكرونة منهم الا انه فشل حينما علم صفوت بالأمر، فاشتراها بضعف سعر ياسر مما دفع الوكيل للموافقة على العرض فورا، و مع مرور الأيام سافر صفوت الى مصر ليستقبل اولى شحنات معكرونة سيدة البيت، و بفضل وضع علاماته التجارية الممتاز بالسوق استطاع تسويق سيدة البيت و بيع الشحنة للتجار بنجاح تام،

اقرأ أيضاً:   هنا…

اعتاظ ياسر من هذا الأمر حيث توعد لصفوت بالأسوء، و ارسل له هِتْ مان ليصفيه بايطاليا حينما عاد بناءا على ضغط من وكيل الماركة الجديدة للإحتفال بالصفقة الجديدة، و في الظلام الدامس و على الثانية ليلا استطاع الهت مان الدخول الى الفندق الذي اقام به بنجاح و حجز غرفة، و لحظة فتحه لباب الغرفة ارتدى جوانتي للحيلولة دون ترك بصماته في المكان ، و بعد ان استقر فيها بنصف ساعة سأل الإستقبال عن رقم غرفة صفوت الجندي، و غادر غرفته متوجها الى الطابق المطلوب اثناء فترة هدوء تام في طوابق الفندق، لم يصادف الا موظف تدبير منزلي كان يهتم بأمر جناح كبير، فوقف و سأله سؤال عن خدمات الفندق، و حينما حاول اجابته غدر به و ضربه ضربة افقدته صوابه، وقع موظف الفندق المسكين على الأرض كالجثه الهامدة ليسحبه الهت مان الى الجناح ، وضع هاتفه الخلوي على النظام الصامت و اخذ منه بطاقة الماستر الممغنطة التي تفتح كل ابواب الغرف، ارتدى ثيابه ليبدو كموظف خدمة الغرف و اغلق الباب بكل برود اعصاب على ضحيته و دفع بعربة التنظيفات التي كانت عليها الشراشف و الملايات و الفوط النظيفة الى غرفة صفوت، كان مقاس هندام التدبير المنزلي يناسبه تماما لأجل الصدفة فبدا و كانه موظف فندقي منهمك بتأدية و ظيفته، مرت عائلة من جنبه و ابتسمت له فرد عليهم بالسلام و هو يقرع باب الغرفة بيده قائلا “التدبير المنزلي”، تتبع العائلة الى ان دخلت غرفتها فطرق باب الغرفة مرة آخرى ليفتح صفوت الباب و يقول
“لم اطلب تنطيف الغرفة…”
لكم الهت مان صفوت لكمة قوية جعلته يعود الى الوراء بضعة خطوات، صرخ صفوت لمراد و هو يحاول تمالك نفسه فنهض مراد من الكنبه الذي كان نائم عليها، تفاجأ به الهت مان فكان يعتقد ان مراد بغرفة ثانية، حاول الهجوم عليه و لكن امسكه مراد بكل سهوله و لكمه لكمة قوية، سقط على الأرض موجوعا من الضربة فامسكه مراد مرة آخرى و وضع يديه حول رقبته فصرخ صفوت…
“مراد اتركه يذهب!”
فاجاب مراد و هو يكسر رقبته “صعب با صفوت بيه، “
ارتفعت بالغرفة صوت طقطقت عظام ثم سقط الهت مان على الأرض ينتفض من الالم الشديد، لقط انفاسه الاخيرة بعد بضعة ثواني وسط خوف صفوت، فصرخ
“لماذا قتلته…”
فجاب مراد “لا تخف يا صفوت بيه، هذا الرجل ليس موظف تدبير منزلي، انه هت مان محترف، لا تنغر بثيابه، انتحل شخصية موظف فندقي ليتسلل الى غرفتك ليقتلك…دفع له خصمك مبلغ ليقتلك…لو لم اقتله لقتلنا جميعا…”

لم يجدا صفوت و مراد مشكلة بإخفاء جريمتهم في تلك الليلة، فاستغلا فترة الهدوء في الطابق ليضعا جثة الهت مان في كيس كبير كان يتدلى من عربة التنظيف و وضعا شرشف كبير من فوق عيلها، و اتفقا ان يناما بصورة طبيعية و يستيقظا في الصباح مثلهم مثل باقي ضيوف الفندق، و اذا تم استدعائم من قبل الشرطة لسؤالهم عن اذا شاهدا امرا ما في تلك الليل اتفقا ان يدليا بنفس الشهادة، بأنهم كانا نائمين و لم يسمعا شيئا،

اقرأ أيضاً:   لوحة شاعرة

ضخك مراد قليلا و هو يوقف السيارة على جانب الطريق، نظر الى ساعته فكانت تشير الى التاسعة مساءا، كان برنامجه المفضل حديث الروح الذي يقدمه الشيخ سعدالين الامام يبدأ في التاسعة، فاشعل راديو السيارة و بحث عن تردد اذاعة هنا مصر، فكان هذا البرنامج الذي يستضيف نخبة من فقهاء الدين سيكون خير رفيق له اثناء سفره، و بعد دقيقة من البحث وجد التردد المناسب، و اعلن المذيع على الهواء بدء البرنامج و ابتدأت موسيقى شارة البداية، شعر بقليل من الجوع فأخرج شطيرة من البراد الذي كان على المقعد بجانبه و ابتدأ يأكل بنهم، قال في ذاته “ايام شقاوة و جنون،” و لكن كان لا بد ان يدافع عن صاحب الشركة التي كان يسترزق منها فكان كريم جدا معه، فحينما تزوج ابنه كريم دفع جزءا من تكاليف فرحه كَرَدْ للجميل على الخدمات التي كان يقدمها، و حينما كان يحتاج الى نقود ليغطي بعض من مصاريف بيته كان يدفع له من دون ان يطالبه بشيئ، فمهما كثرة مصاريف مراد كانت ملاليم بالنسبة لما يصرفه صفوت الجندي في امسية عشاء هو و اسرته في ليلة من الليالي التي يخرجون بها للترفيه عن انفسهم، او على سهرة من سهراته الحمراء حتى، فلم يجد صعوبة بمساعدته اطلاقا، اكل ما تبقى من الشطيرة و غرز المصاصة البلاستيكية في علبة العصير و ضحك مرة آخرى ليسمع مقدم البرنامج يعلن عن استضافة الشيخ بدر السعدي الداعية للنقاش عن ذكر الجن بالقرآن الكريم، انقبض قلبه و قال في ذاته
“يا لحظي، الم تجدوا موضوع آخر لتتناقشوا به، الجن و انا في وسط هذه الصحراء المظلمة، اعوذوا بالله من الشيطان الرجيم، ربما محطة نجوم و فنون احسن،
ابتدأ الشيخ بدر بالحديث ليرد عليه و يقول “فال الله و لا فالك في هذا المساء،”
بحث عن تردد قناة نجوم و فنون ليجدها سريعا، و فجأة ارتفع صوت المطرب علي حميده و هو يغني لولاكي، شعر مراد بقليل من السعادة على انغام هذه الأغنية و ابتدأ يغني مع المطرب، كان يحب اغانيه كثيرا، ضحك قليلا فكان صوته نشاز بمقارنة مع صوت المطرب الجميل…فاللحن الذي غناه اختلف كليا عن لحن الأغنية الأصلية، اخذ رشفة من العصير…و لكن فجأة شعر بصدمة شديدة تزلزل كيانه حينما ارتفع صوت بالسيارة يقول له :
“و لما تضحك…”
شعر مراد و كأن العصير توقف في منتصف بلعومه، بل شعر و كأنه انشلت حركة بلعومه من شدة الصدمة، نظر الى المرآة امامه فاستطاع رؤيتها بواسطة انارة سقف السيارة، كان الظلام يحيط بالشارع من حوله ماعدا اضواء السيارات التي كانت تمر من حين لآخر لتضيئ المكان بصورة خاطفة نظرا لسرعتها، كانت امرأة ذات شعر اسود و بشرة بيضاء، كانت ترتدي ثوب ابيض و بعض من الحلي الذهبي حول رقبتها، كانت على شكل سلاسل ذهبية تتدلى من رقبتها، كانت عيونها السوداء جميلة جدا و فاحت بالسيارة فجأة رائحة عطر كناريدن الملوك، بلع ما تبقى من العصير في حلقه و صرخ من شدة الهلع…
“كيف صعدت بالسيارة، الابواب مغلقة بالكامل…”
“وجدت الباب الخلفي الذي بجانبي مفتوح فركبت في العربة..”
تبادر الى ذهنه فجأة بأنه لم يسمع صوت باب السيارة يفتح او يُغْلَقْ…تجمدت الدماء بعروقه فجأة و شعر بأن هنالك امر مريب، فطلب منها بنبرة قلقة “ارجوك ان تنزلي من السيارة، فانا لست تكسي، انا موظف شركة خاصة…”
“لن يحصل شيئ اذا ركبت معك الى الشاطئ الكبير، “
اجاب بحذر “تقصدين الساحل الشمالي…لا استطيع فاوامري ان لا اقل احد من صاحب الشركة…”
اجابت بصوت ناعم و كأنها تناقش حالة الطقس “لن يعرف اذا لم تخبره، سأدفع لك بسخاء…هيا ايها العبد فتأخرت كثيرا،”
فكر مراد في ذاته و قال ربما نظام الإغلاق بالسيارة لم يعمل جيدا، و ركبت هذه السيدة ظنا منها انه سائق اجرة، من الوضاح انها مجنونة او ربما تهذي، فلماذا تناديه بالعبد، و استخدامها المصطلح الشاطئ الكبير غريب جدا، ارتاح قليلا من الرعب الذي سيطره عليه لفترة فكانت ربما هاربة من مصح عقلي،
“ارجوك انزلي من السيارة و ستجدين اولاد حلال كثيرون ليقلوك حيث تريدين،”
“انت تزعجني جدا، لو كنت في قصري لأهتم بك جنودي، هيا قد العربة من دون اي تأخير…”
ضرب كفا بكف و قال “هذه ليلة سوادء و لن تمضي على خير، صرخ بوجهها، هل ستنتزلي ام اطلب لك البوليص،”
سالت بإستياء “انت تضايقني ايها العبد، ما هو البوليص؟ هيا تحرك و الا جلدتك بالكرباج،”
اقفل ابواب السيارة و اخذ هاتف السيارة اللاسلكي و ابتدأ يطلب رقم البوليص،
فجأة شعر بيدها تمتد نحو السقف و تطفئ النور قائله “هذه النار قوية و تضايق عيناي، لا اريدها مشتعله بالعربة،”
اجاب بنبرة ساخرة “مولاتي تأمرني وانا انفذ، و لكن حرام ان تجلديني، تعاملي مع عبدك بعطف و حنان، انا مضطر لإجراء مكالمة،” صمت لبضعة ثواني ثم قال “بوليص النجدة، انا على بعد ساعة قيادة من القاهرة على طريق القاهرة الإسكندرية الصحاروي، انا في داخل سيارة شفروليه امريكي حديثه موديل ثمانية و ثمانين، الرباعي فيها يعمل لأنني متوقف في على جانب الشارع، هنالك إمرأة صعدت معي في السيارة فجأة و انا أخذ استراحة من القيادة، و يبدو انها مجنونه و هاربة من السرايا السفراء…”
قال صوت باهتمام، “تمام يا فندم، سنرسل لك سيارة شرطة بالحال، من المتكلم؟”
“انا مراد مهران السائق و الحارس الشخصي لصفوت باشا الجندي…”
“صفوت باشا مالك المجموعة المتحدة للتجارة الحرة؟”
“تمام يا فندم، و لكن بسرعة، انها مجنونة رسمي و ترفض النزول من سيارتي؟”
السيارة في طريقها اليك، هنالك دورية على بعد خمسة كليومترات منك ستصلك عما قريب،”
“شكرا…”
نده لضيفته المريبة “التشريفات ستصلك قريبا يا مولاتي…”
فجأة خيم صمت غريب على المكان، فلم يجد اجابة لكلماته، نداها مرة ثانية “مولاتي! اين انت”
فجأة اشتعل الضوء في سقف السيارة، اجابت بنبرة آمرة “انا هنا يا هذا! الا تحرك هذه العربة الكبيرة؟”
عصف الرعب بكيان مراد حينما راى ضيفته جالسه على المقعد بجانبه، فصرخ بجنون “متى انتقلت و جلست بجانبي!”
اجابته “اصمت ايها العبد الغبي!”
خرج مراد من السيارة و ابتدأ يصرخ بجنون “النجده…ساعدوني!”، دفعته كميات الرعب التي سيطرت عليه للجري في وسط الشارع بين السيارات، ارتفع بالاجواء صوت ابواق السيارات و اصوات زعيق اطاراتها و هي تتوقف فحأة و تحاول الاستدارة مت حوله، و امتلأت الأجواء بأصوات الناس و هي تشتم به و بجنونه، فجأة سمع صوت صفارات الإنذار وسط زحمة الشارع ورائه فاستدار ليرى اضواء سيارة الشرطة الحمراء، صرخ اليه احد رجال الأمن “يا مجنون! عد من وسط الشارع…” عاد الى الشرطي و هي يصرخ بجنون
“كانت ورائي بالسيارة، فكيف اصبحت بجانبي!”…بتبع

اقرأ أيضاً:   أقول لها
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى