لقد تغيرنا كثيرا ” الجامعات نموذجا “

لقد تغيرنا كثيرا ” #الجامعات نموذجا “
د. حفظي اشتية
نستحضر جيدا في الذهن أننا جُبلنا على الحنين إلى الماضي وذكرياته ولو كانت مؤلمة، ونرى الماضي أجمل ولو كان الحاضر أفضل، فهو قطعة من أرواحنا غادرتنا ولن تعود إلينا، ولن يغادرنا الحنين إليها ما حيينا.
ونستحضر أيضا أن $التعليم في #الماضي كان للصفوة، فلم يكن يصمد في شعابه إلا المتفوق والمقتدر، وكان البقاء للأقوى.
ومع ذلك، فإن المقارنة قد تكون مفيدة بين ما كنا عليه وما صرنا إليه، وستتخذ هذه المقالة من #الجامعة_الأردنية نموذجا، فهي أم #الجامعات ومعقل العلم الأول، ومعقد الأمل البكر. وسيتم التركيز على قسم اللغة العربية، والأسماء التي تتم الإشارة هي للتمثيل وليس للتفضيل، فكل أساتذتنا في ذلك الزمن الجميل كانوا #علماء أجلاء نبلاء،(رحم الله من قضى نحبه منهم، وأعز من ينتظر بطاعته.)
أولا : الطلاب
في بدايات سبعينيات القرن الماضي قدِمنا من الرئة الغربية للوطن إلى رئته الشرقية لندرس في جامعته الوحيدة. وقفنا مدهوشين أمام قبتين تحضنان الباب الرئيسي الذي يقف عليه رجل وحيد أسمر فارع الطول يرتدي كوفية حمراء، يدقق النظر في الداخلين ويحرس الجامعة والطلاب برموش العين.
دلفنا إلى الداخل، فرأينا بضعة مبان غارقة في بحر لُجي من أشجار باسقة تعانق الفضاء، وانضممنا سريعا كل إلى مجموعته وتخصصه الذي لم يكن يزيد عدد الطلاب فيه عن بضع عشرات.
تلقفَنا أساتذةٌ عظام نهلنا من علمهم وتشربنا أخلاقهم. ودارت بيننا منافسات عظيمة، كنا نختلف حول أشياء كثيرة، وتصرعنا خلافات عظيمة، لكننا نتفق جميعا على حب الوطن وإعلاء شأنه والدفاع عنه.

تحزبنا تسيسنا اختلفنا ائتلفنا تقاربنا تباعدنا تغاضبنا تحاببنا…… كل ذلك كان تحت مظلة إسلامية أو قومية، وإدراك واعٍ بمسؤوليتنا العظيمة تجاه وطننا وأمتنا. ما شهدنا يوما مشاجرة عشائرية، ولم يكن أحدنا معنيا بسؤال الآخر عن ديانته أو عائلته.

وفي حلقات الدرس كان تنافسنا شريفا راقيا على العلامة التي لا تعطى إلا بحقها، وكان نقاشنا لأساتذتنا فكريا ساميا محصنا باحترامهم وحفظ أقدارهم. كان ميدان الغيرة التي تنهشنا يدور حول من يجلس في المكتبة وقتا أطول، ويستعير كتبا أكثر. وفي حفلاتنا ورحلاتنا كنا نعود أخوة متحابين. كنا نتزاور ونتراحم ونتقاسم ثمن الكتاب الواحد تشتريه المجموعة منا ليتداور بيننا متعجبا من تعدد الأيدي وتمايز العقول.

تخرجنا من عشنا الذي درجنا فيه، وتتطايرنا نحو جامعات الدنيا للدراسة العليا، ثم عدنا إلى الوطن نزرع جامعاته علما وأملا وخلقا والتزاما. وتسنم بعضنا أعلى المناصب : رؤساء للديوان الملكي، للجامعات، لمجمع اللغة العربية، ومنهم الأعيان أو النواب أو الوزراء أو المؤلفون العظماء…..

هكذا كان حالنا طلابا، فكيف حال طلابنا الآن؟؟؟؟

ثانيا : الأساتذة

كانت مهنة الأستاذ الجامعي لا تعادلها وظيفة أخرى مهما علت، وكان لقب الدكتور شرفا لا يدانيه شرف، وكان للأستاذ في نفوسنا مهابة صادقة يتجلى أمامنا فيلسوفا فذا وعالما فحلا ومؤلفا مبدعا ومدرسا مخلصا بارعا، نراه حكيما عادلا رحيما حازما، نشتاق إليه ويغلبنا الخجل بين يديه، نتحرج من سؤاله رغم لهفتنا إلى ثمارعلمه وفكره. كنا نرى أساتذتنا قامات سامقة ومقامات، نسترق السمع إلى مناقشاتهم السامية، وطرائفهم ونوادرهم. يدخل أحدهم إلى قاعة الدرس تسبقه هيبته، تأسرنا وسامته وحسن هندامه، حتى إذا تكلم تسابقنا إلى التقاط الدر يتساقط من فمه، يغيب عنا الشعور بالزمن، وتتجافى عنا كل الشواغل، ونرى كل مطمعنا في الدنيا محصورا في هذا المحراب المهيب.

كانت الجامعة الأردنية موئلا للعلماء الأفذاذ من أقطار عربية شتى : فهذا الزرقا من سوريا، وهذا الدوري والسامرائي من العراق، وهذا شوقي ضيف أو الجندي أو محمد عبده عزام من مصر…..

وكان أساتذتنا من ضفتي الوطن طلائع النهضة العظمى، تخرجوا من أرقى الجامعات وأعلاها شأنا :

هذا كبير المحققين إحسان عباس قد سامت شيوخ التحقيق وبذّهم، وهذا أستاذ النقد محمود السمرة قد طوّع حضارة الغرب للشرق، وهذا الراهب المتبتل نصرت عبد الرحمن، وهذا عاشق الأندلس عبد الكريم خليفة، وهذا أستاذ الأدب الجاهلي الأليف اللطيف هاشم ياغي، وأستاذ الأدب الحديث العنيد العتيد عبد الرحمن ياغي، وهذا أستاذ الأدب الأموي الأنيق حسين عطوان، وهذا سادن أدب الحروب الصليبية محمود ابراهيم ورديفه الحميم عبد الجليل عبد المهدي، وهذا ذوّاقة الأدب خالد الكركي، وهذا اللغوي العفيف الزاهد إسماعيل عمايرة, وهذا سيبويه الزمان نهاد الموسى….

هكذا كان أساتذتنا، فأين منهم الأساتذة وأصحاب الرتب والألقاب الآن؟؟؟

ثالثا : رؤساء الجامعات

كانت رئاسة الجامعة منصبا لا يعلوه منصب، تتقاصر دونه كل المراتب، وتشرئب إليه الأعناق، وتتطاول نحوه الأماني العِذاب، لكن لا يناله إلا الأفذاذ من العلماء الأكفياء العظماء السادة الكرماء النجباء…….

منصب يليق بعملاق مثل ناصر الدين الأسد، ولكل امرئ من اسمه نصيب : نهل من ماء النيل السلسبيل، ورتع في رياض العلم المصرية، وسرعان ما شأى أعتى أساتذته، وأعيا أقرانه ومعاصريه وتابعيه، وقارع عميد الأدب العربي بحججه وأدلته، ورصد مصادر الشعر الجاهلي وأرسى لها القرار، فدافع عن حمى اللغة والدين، ثم أمسك بزمام الرئاسة حين كان مقرها دارة صغيرة ومكتبا متواضعا، لكن عندما ربض فيه الأسد تحول إلى عرين تتفجر منه المهابة، وتحط رجالات الأردن وزعاماتها في رحابه. كرّس كل وقته وجهده وعلمه للنهوض بجامعته، فتح بابه وقلبه لكل مظلوم، يدخل إليه الملهوف فيرى فعله يسبق قوله، أديب في منطقه، أريب في رأيه، متواضع مهيب، يجعلنا نتذكر وصف الفرزدق لزين الدين العابدين :

يُغِضي حياءً ويُغَضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم

يتابع الإشراف الإداري على شؤون جامعته بشرف وأمانة وصدق وذكاء وموضوعية وحزم مشفوع بالرحمة.

ليس ليه فريق لتصيّد أخطاء من يعارضونه ليكيد لهم، لم يظلم أحدا أو يجعله شريدا يبحث عن حقه السليب في المحاكم. يدفع بجامعته نحو العلى دون أن ينشغل بالتصنيفات الوهمية الزائفة. لا يلهث وراء فقاعات إعلامية خادعة. يتمثل دوما قول شوقي :

وكن رجلا إن أتوا بعده يقولون مرّ وهذا الأثر

ها نحن نتذكر هؤلاء الرجال بعد وفاتهم ونترحم عليهم وفاء لهم وإجلالا، ونقفو آثارهم لإحياء ذكرهم.

فأين منهم بعض رؤساء جامعاتنا في حاضر أيامنا ؟؟!!

حقا :

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جُهالهم سادوا

تعنو الأمور بأهل الرأي ما صلحت فإن تولت فبالأشرار تنقادُ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى