قِطف العنب

قِطف العنب

رائد عبدالرحمن حجازي
حجز والدي المقعد الأمامي كاملاً في #سيارة #المرسيدس 190 . لتكون جلستنا مريحة أثناء مشوارنا من إربد لعمان وبطبيعة الحال ولصغر سني آنذاك كان مكاني في المنتصف فعلى يميني رحمة الوالد وعلى يساري السائق .
حان وقت الإنطلاق حيث عدل #السائق جلسته بالإضافة للمرأة الداخلية وأدار مفتاح التشغيل وهو يقول : توكلنا على الله ، وما هي إلا لحظات حتى جال نظري في المتحف المتنقل الموجود داخل السيارة فها هي صور لشخصيات فنية وطبيعية قد أُلصقت على أعلى الزجاج الأمامي وتلك ورقة وضعت على الشمعة بين البابين مغطاة بالنايلون الأحمر مكتوب عليها ( محلات الأمانة لتنجيد السيارات ) وأُخرى مثلها على الشمعة المقابلة ، انتهت جولتي السريعة في متحف الصور داخل سيارة المرسيدس 190 ولكن هناك شيء ما أدهشني وأثار فضولي ! إنه قِطف #عنب معلق في #مرأة السيارة الداخلية وهو أمامي مباشرةً ، قِطف جميل لونه أخضر وحباته يانعة ومكتنزة هذا القِطف شد انتباهي طول الطريق وهو يترنح تارة لليمين وتارة أُخرى لليسار ، ورحت أسأل نفسي هل يا ترى هذا عنب حقيقي أم لا ؟ ولكي أُزيل الشك باليقين كان لا بد لي من لمس إحدى حباته على الأقل .
هنا بدأت معركتي مع ذلك القِطف كيف سأمسكه وهو دائم الترنح ويداي الصغيرتان لا تطاله وأنا جالس ؟! لذلك خطرت ببالي عدة أفكار أولها بأن مددت يداي باتجاه التابلو بحجة مسح الغبار كي أبدو بأنني صاحب أخلاق عالية ولكن هذه الخطة لم تُسعفني فيداي الصغيرتان مرة أُخرى أفشلتا الخطة فلجأت للخطة الثانية محاولاً مد الشاهد بإتجاه القطف مع تقديم الجذع للأمام كي أقترب من قِطف العنب أكثر وأكثر ورحت أسأل الوالد عدة اسئلة منها ما هذه الأشجار ؟ ولماذا الجبال هنا عالية ؟ ولماذا لونها مختلف ؟ إلا أن هذه الخطة أيضاً كُتب لها الفشل .
ازداد فضولي وأصبح قِطف العنب شُغليَ الشاغل إلى أن حانت الفرصة الذهبية فها هي السيارة تدخل طريق وعرة وأصبح الركاب هم أنفسهم يتراقصون ويترنحون وبقوة ومن محاسن الصدف أن قِطف العنب أصبحت حركته بهلوانية وهنا نهضت عن المقعد ومددت كلتا يداي وأمسكت به بحجة منعه من السقوط ، للوهلة الأولى غمرتني السعادة فحباته تتجاوب مع ضغط أصابعي وظننت بانها حبات طبيعية ولكن سرعان ما تبدلت السعادة لتعاسة فحبات العنب من البلاستيك المرن المتقن الصنع . تركت القِطف وأسندت ظهري للمقعد ووضعت يداي جانباً ومددت ساقاي وعدت أتأمل معرض الصور من جديد وخصوصاً تلك الورقات التي كُتب عليها ( محلات الأمانة لتنجيد السيارات ) .
ما أعاد لي هذه الذكريات هي سياسات حكومات ضريبستان المتعاقبة والوعود ألتي تتغنى بها في كل حين وأنهم حريصون كل الحرص على توفير العيش الكريم للمواطن في خططهم النهضوية ، أما على الواقع فهم مثل قطف العنب البلاستيكي .


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى