في ذكرى مولد إمام الأنبياء والمرسلين

في #ذكرى #مولد #إمام #الأنبياء والمرسلين

ماجد دودين

سيدُ ولدِ آدمَ … الأسوة الحسنة …

الشاهد والمبشّر والنذير والسراج المنير

محمّد خَاتَم الأنبياء والمرسَلِين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين

يقول أســتاذ الفلســفة راما راو: (إنّ إلقاء نظرة على شخصية محمد تسمح لنا بالاطلاع على عدد كبير من المشاهد: فهناك محمد الرسول، ومحمد المجاهد، ومحمد الحاكم، ومحمد الخطيب، ومحمد المصلح، ومحمد ملجأ الأيتام، ومحمد محرّر العبيد، ومحمد حامي المرأة، ومحمد القاضي، ومحمد العابد لله.. كل هذه الأدوار الرائعة تجعل منه أسوة للإنســانية.)

ويقول الزيات: “لما بُعث الرسول الكريم بَعَثَ الحريّة من قبرها، وأطلق العقول من أسرها، وجعل التنافس في الخير، والتعاون على البر، ثم وصل بين القلوب بالمؤاخاة، وعدل بين الحقوق بالمساواة.. حتى شعر الضعيف أنْ جـنْــد الله قـوّتــه، والفقير أنّ بيت المال ثروتـه!! والوحيد أنّ المؤمنين جميعـاً إخوتــه..”.

انه صاحب الرسالة العظمى إلى خلق الله قاطبة… ملتقى الفضائل المشرقة ومظهر المثل العليا التي صوًرتها الخيالات ثم صاغها الله عز وجل برحمته وكرمه إنسانا يمشي على الأرض مطمئنا وذلكم هو الرسول الكريم سيد ولد آدم وحامل لواء الحمد يوم القيامة وأول شافع ومشفع يوم القيامة وأول من يجوز الصراط يوم القيامة وأول من يفتح له وبه باب الجنة يوم القيامة …

لقد صاغ الإنسان من جديد ليكون أثمن درة في عقد فريد…

لقد كان الإنسان ميْتا فأحياه الله بالإسلام …وفي غمرة النور الوافد بين يديْ خير وافدٍ صحا النائم يوما ورأى النور فما أغفى … ولكنه انتفض عملاقا جديدا يبني الحياة من جديد … وتحولت الخطوات المرتعشة الواجفة على حصباء مكة حركة تغمر الوجود كله بالنور والبركة … والعربي النافر من الحق كالغزال الشارد تحكمه من دين الله ضوابط فإذا هو فارس يمتطي صهوة جواده… يمزّق البساط الناعم ويمزق معه قيماً وعقيدة زائفة … ويصرخ بكلمات خالدة ” الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة الناس إلى عبادة رب الناس … ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام … ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ” …لقد كانت هذه الكلمات مشاعل حق أطلقها ربعي الأعرابي العربي المسلم المؤمن التقي النقي …وصدع بها في وجه” رستم” صاحب تاج الذهب وكرسي الذهب وسرير الذهب ليقول له : (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) وليبين للبشرية بأسرها هدف رسالة محمد عليه السلام وليؤكد أن السعة والسعادة لا تكون بالمتاع والرياش والذهب والمناصب …في غمرة النور الوافد وُلدت الآمال وبعثت كوامن الشعور … وحوًل الرسول صلى الله عليه وسلم الخصومات مودة والتنافر انسجاما والبغضاء محبة … لقد وجد الإنسان ذاته الضائعة… وارتفع بعقله يرنو إلى السماء … وجد نفسه وما أروع أن يجد الإنسان نفسه بعد ضياعها بين وهج المصباح ورنين الأقداح ومتاهات الحياة … إنّ من يعيد إليك ذاتك لا تملك الوفاء بحقه ولو قدمت ملء الأرض ذهبا … وذلك هو الرسول الكريم الشاهد والمبشر والنذير والسراج المنير …

اقرأ أيضاً:   السقوط العربيّ

ويعجبني ذلك الأعرابي الذي أضاع بعيره فراح ينادي في الطرقات:” من يرد لي بعيري فله بعيران؟!” …. فقيل له: واحد باثنين؟! كيف يكون هذا؟!

قال لهم: ” أنتم لا تعرفون متعة الوجدان ” وهنا يقفز السؤال بل الأسئلة إلى الذاكرة والعقل والروح والوجدان … منْ الذي عاد الينا بوجودنا؟ منْ الذي عرفنا بخالقنا؟ منْ الذي دلّنا على كل خير وحق ونور وحذرنا من كل باطل وظلم وشر؟ منْ الذي رسم لنا المنهاج القويم ودلّنا على الصراط المستقيم؟ منْ هو رحمة الله للعالمين؟ منْ هو خاتم الرسل وإمام النبيين؟ إنّه النور الوافد … ونفخر أننا أتباعٌ لأعظم الناس خلقا، وأحسنهم عملا، وأصدقهم نصحا، وأكثرهم خيرا للناس أجمعين:

ومما زادني شرفا وتيهـــــــــــــــــــــــــا وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيَرت أحمــــــــــــــــد لي نبيا

وما أروع وأجمل وأبلغ جملة قالها خالد بن الوليد رضي الله عنه حين سُئل عن الرسول صلى الله عليه وسلم فقال للسائل:” أأطْنب أم أوجز؟” قالوا: بل أوجز فقال: ” الرسولُ على قدْرِ المُرْسِل” المُرْسِل هو الله الذي له كلّ صفات الجلال والكمال سبحانه ……..

ما أعظم الإسلام مُرْسِلا ورسولاً ورِسالة!

قال صلى الله عليه وسلّم: ” أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر، وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه يومَ القيامةِ ولا فخر، وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ ولا فخر، ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فخرَ”

يُبيِّنُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه سيِّدُ وَلدِ آدمَ يَومَ القيامةِ، والسَّيِّدُ: هُو الَّذي يَفوقُ قَومَه في الخيرِ. وقيل: هوَ الَّذي يُفزَعُ إِليه في النَّوائبِ والشَّدائدِ، فيَقومُ بأُمورِهم، ويَتحمَّلُ عَنهم مَكارِهَهم ويَدفعُها عنهم، والتَّقييدُ بيَومِ القيامَةِ مَع أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سيِّدُهم في الدُّنيا والآخرَةِ، مَعناه: أنَّه يَظْهَرُ يومَ القيامةِ سُؤدُدُه بِلا مُنازعٍ ولا مُعاندٍ، بِخِلافِ الدُّنيا، فَقدْ نازعَه فيها مُلوكُ الكُفَّارِ وزُعماءُ المشركينَ. وأَوَّلُ مَن يَنشَقُّ عنه القَبرُ، أي: أَوَّلُ مَن يُبعَثُ مِن قَبرِه ويَحضُرُ في المحشَرِ. وأَوَّلُ شافعٍ، أي: في ذلكَ المحضَرِ، وأَوَّلُ مُشَفَّعٍ أي: أَوَّلُ مَن تُقبَلُ شَفاعتُه عَلى الإِطلاقِ في أَنواعِ الشَّفاعاتِ.

وخصائص النبي صلى الله عليه وسلم التي تؤكد أفضليته على باقي الرسل كثيرة نذكر بعضا منها مما جاء في الكتاب والسنة:

أن الله عز وجل خصَّ القرآن الكريم المُنَزَّل عليه بالحفظ دون غيره من الكتب، قال تعالى: (إنّا نحن نزَّلنا الذِّكر وإنّا له لحافظون) الحجر/9، أما الكتب الأخرى فقد وَكَلَ الله أمْرَ حفظها إلى أهلها قال تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونور يَحْكُم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربَّانِيُّون والأحبار بما اسْتُحْفِظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء) المائدة/44.

اقرأ أيضاً:   العنف ضد المرأة

أنه خاتم الأنبياء والمرسلين قال تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) الأحزاب/40.

اختصاصه بأنه أرسل إلى الناس عامة قال تعالى 🙁 تَبَارَكَ الذي نَزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً) الفرقان/1.

ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم في الآخرة:

أنه صاحب المقام المحمود يوم القيامة قال تعالى: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يَبْعَثَكَ ربك مقاماً محموداً) الإسراء/79، قال ابن جرير: قال أكثر أهل التأويل: ذلك المقام الذي يقومه صلى الله عليه وسلم للشفاعة يوم القيامة للناس، لِيُرِيحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم. تفسير ابن كثير5 /103

أنه سيد الخلق يوم القيامة

أنه أول من يَجُوزُ الصِّراط بأمته يوم القيامة …أخرج البخاري في ذلك حديث أبي هريرة الطويل، وفيه …..” فأكون أول من يَجُوزُ من الرسل بأمته ” (الأذان/764). ومن الأدلة الواضحة على أنه أفضل الأنبياء أنهم كلهم لا يشفعون، ويحيل الواحد منهم الناس على الآخر، حتى يحيلهم عيسى عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول: أنا، ثمَّ يتقدم فيشفع للجميع، فيحمده على ذلك الأولون والآخرون، والأنبياء وسائر الخلق.

وخصائصه عليه الصلاة والسلام التي وردت في الآيات والأحاديث الصحيحة أكثر من أن نذكرها في مقام مُوجَز، فقد أُلِّفَتْ فيها الكتب.

انظر كتاب خصائص المصطفى صلى الله عيه وسلم بين الغلو والجفاء للصادق بن محمد 33-79

والخلاصة: أننا نفضل نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم عن سائر الأنبياء والناس، للأدلة الواردة في ذلك، مع حفظنا لحقوق جميع الأنبياء والمرسلين والإيمان بهم وتوقيرهم.

أما قول الله تعالى: (لا نُفَرِّق بَيْن أحدٍ من رُسُلِه) البقرة/285، قال ابن كثير في تفسيرها:

المؤمنون يصدِّقون بجميع الأنبياء والرسل، والكتب المُنَزَّلة من السماء، على عباد الله المرسلين والأنبياء لا يُفَرِّقون بين أحدٍ منهم، فَيُؤْمِنُون بِبَعْضٍ ويَكْفُرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بَارُّون راشدون مَهْدِيُّون هادون إلى سبيل الخير، وإنْ كان بعضهم يَنْسَخ شريعة بعض، حتى نُسِخَ الجميع بشرع محمدٍ خَاتَم الأنبياء والمرسَلِين، الذي تَقُومُ الساعة على شريعَتِهِ. تفسير ابن كثير1/736

أما تفاضل الأنبياء بعضهم على بعض فإن الله عز وجل أخبرنا بذلك فقال: (تِلْكَ الرُّسل فضَّلنا بعضهم على بعضٍ منهم من كَلَّم الله ورَفَعَ بعضهم دَرَجَاتٍ) البقرة/253، فأخبرنا الله أن بعضهم فوق بعض درجات ولذلك كان المصطفى من الرسل الذين هم ألو العزم قال تعالى: (وإذ أخذنا من النَّبيينَ ميثاقَهُمْ ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً) الأحزاب/7.

ومحمد صلى الله عليه وسلم أفضلهم ويَدَلُّ على ذلك أنه إمامهم ليلة المعراج، ولا يقدم إلا الأفضل ومما يدل على أنه أفضلهم ما جاء عن أَبُي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ ” رواه مسلم

اقرأ أيضاً:   عدوان صهيوني جبان في الرابع عشر من رمضان

قَالَ الْعُلَمَاء : وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم ) لَمْ يَقُلْهُ فَخْرًا ، بَلْ صَرَّحَ بِنَفْيِ الْفَخْر فِي غَيْر مُسْلِم فِي الْحَدِيث الْمَشْهُور : ( أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم وَلا فَخْرَ ) وَإِنَّمَا قَالَهُ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا اِمْتِثَال قَوْله تَعَالَى : ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّك فَحَدِّثْ ) وَالثَّانِي أَنَّهُ مِنْ الْبَيَان الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ تَبْلِيغه إِلَى أُمَّته لِيَعْرِفُوهُ ، وَيَعْتَقِدُوهُ ، وَيَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهُ ، وَيُوَقِّرُوهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا تَقْتَضِي مَرْتَبَتُهُ كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّه تَعَالَى . وَهَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِتَفْضِيلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ ; لأَنَّ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة أَنَّ الآدَمِيِّينَ أي أهل الطاعة والتقى أفضل مِنْ الْمَلائِكَة، وَهُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَل الآدَمِيِّينَ وَغَيْرهمْ.

((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (46) سورة الأخزاب

محمد صلى الله عليه وسلّم: سليل أكرم نبعة، وقريع أشرف بقعة. جاب بأمته الظلمات إلى النور، وأفاء عليهم بالظلّ بعد الحرور. وهو خيرة الله من خلقه، وحجّته في أرضه.

الهادي إلى حقّه، والمنبه على حكمه. والداعي إلى رشده، والآخذ بفرضه. مبارك مولده، سعيدة غرّته، قاطعة حجّته، سامية درجته، ساطع صباحه، متوقّد مصباحه، مظفّرة حروبه، ميسّرة خطوبه، قد أفرد بالزعامة وحده، وختم بأن لا نبيّ بعده. يفصح بشعاره على المنابر، وبالصلاة عليه في المحاضر، وتعمر بذكره صدور المساجد، وتستوى في الانقياد له حالة المقرّ والجاحد. آخر الأنبياء في الدنيا عمرا، وأولهم يوم القيامة ذكرا، وأرجحهم عند الله ميزانا، وأوضحهم حجّة وبرهانا. صدع بالرسالة، وبلغ بالدلالة، ونقل الناس عن طاعة الشيطان الرجيم. أرسله الله قمرا للإسلام منيرا، وقدرا على أهل الضلال مبيرا. صلى الله عليه وسلم. خير من افتتحت بذكره الدعوات، واستنجحت بالصلاة عليه الطلبات. خير مبعوث، وأفضل وارث وموروث. وخير مولود، دعا إلى خير معبود. صلى الله على كاشف الغمّة عن الأمة. الناطق فيهم بالحكمة، الصادع بالحق، الداعي إلى الصدق، الذي ملك هوادي الهدى، ودلّ على ما هو خير وأبقى. صلى الله عليه بشير الرحمة والثواب، ونذير السطوة والعقاب. صلى الله على أتمّ بريته خيرا وفضلا، وأطيبهم فرعا وأصلا، وأكرمهم عودا ونجارا، وأعلاهم منصبا وفخارا، وعلى أهله الذين عظّمهم توقيرا، وطهّرهم تطهيرا هم مقاليد السعادة ومفاتيحها، ومعارج البركة ومصابيحها. أعلام الإسلام وأيمان الإيمان.

الطيبون الأخيار، الطاهرون الأبرار. الذين أذهب عنهم الأرجاس، وجعل مودتهم واجبة على الناس. هم حبل الهدى وشجرة الإيمان، أصلها نبوّة، وفرعها مروّة، وأغصانها تنزيل، وورقاتها تأويل.

لا يمكن الإحاطة بجوانب عظمة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، إلاّ إذا أمكن الإحاطة بجميع أطواء الكون، فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عالَماً في فرد، فكان بهذا فرداً في العالم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى