في ذكرى رحيل أ. د عبد الكريم غرايبة

في ذكرى رحيل أ. د عبد الكريم غرايبة

بقلم أ. د إيمان فريحات

في ذكرى رحيل المعلم وشيخ المؤرخين الأردنيين، عربي الهوى وأردني الانتماء؛ العلامة الأستاذ عبد الكريم غرايبة (1923-2014م) الذي احتل مكانة خاصة بين الجميع من شخصيات: عامة وطلاب، وأنا من بينهم، تتلمذنا على يديه، مع أن كلمة “تلميذ” كان يرفضها، ولقب طالب عنده من أجمل الكلمات، فكان يعاملنا ويخاطبنا بأجمل العبارات، ويقول: أنتم ستصبحون وزراء ومسؤولين.

نادرا ما ترى قامة علمية بحجم النابغة الأستاذ الدكتور عبد الكريم غرايبة يخاطب طلابه بعد إنهاء دراسة المواد، وقبل إعداد أطروحة الدكتوراة بلقب دكتور، فقد كان فريدا في تصرفاته وفي طرائق تدريسه، فاستلهمنا العلم منه في قاعة المحاضرة، وفي مكتبه في الجامعة الأردنية، وفي مطعم الجامعة وفي بيته، إذ اعتاد على جمع طلاب الدراسات العليا، في كل فصل دراسي مع شخصيات وطنية ومسؤولين كبار؛ لتناول الطعام موزعا الطلبة بينهم؛ لتبادل الآراء ووجهات النظر. ودعواته لنا في بيته كانت تمتد ساعات، نتناول الطعام والحلوى، وكنا نحتسي الشاي والقهوة، بأنواعهما المختلفة، والذي نقوم بإعداده نحن، فكان يتركنا نجوب المنزل والحديقة المليئة بالورود المتجددة، كروحه المتجددة، والتي غلب عليها اللون الأحمر في أواخر حياته، وكنا نطلع على مكتبته والوثائق والمخطوطات التي لديه، فكانت تلك الزيارات والجلسات تاريخية، نسمع فيها معلومات جديدة وغريبة، نُقِشَتْ في ذاكرة الزمان.

اقرأ أيضاً:   النتائج السلبية للانتخابات الليبية

نستذكره كل يوم، وليس في ذكرى وفاته؛ فهو راسخ في ذاكرتنا؛ ليس فقط لمؤلفاته العديدة ومقالاته الكثيرة التي تركها، بل لا ننسى أننا تعلمنا منه الكثير أثناء الدراسة وبعد التخرج، إذ لم تنقطع الصلة به؛ فبقينا نتواصل معه عبر الهاتف، ونزوره في بيته، ويزورنا ويلبي دعوتنا، ولا أنسى أبدا قبوله لدعوتي وحضوره إلى منزلي، والمديح الذي سمعته عن الطعام الذي أعددته.

اقرأ أيضاً:   في النصيحة

 لقد كان نادرا بذكائه؛ فله ذاكرة وحضور ذهني قويَّيْنِ، يختزن التاريخ، لقد كان مكتبة متنقلة، وكان مثالاً للأب الحاني لطلابه، المجادل لهم، يطرح الأسئلة بطريقة العصف الذهني، معلما إياهم الشكَّ في التاريخ والنقد الصارم، ناصحاً إياهم عدم الانقياد والاستسلام للأخبار.

نستذكره دوماً؛ لحسن خلقه وإنسانيته وروحه السمحة الشابة الجميلة، نستذكره بابتسامته الجميلة المرسومة دوماً على وجهه؛ فقد كان بشوشا ضاحك الوجه، لا نراه حزيناً إلا عند ذكر زوجته “بيهمال” أم الرائد، وهو اسم فارسي يقابله بالعربية: “فريدة وعديمة المثال”، وكان يقول عنها: إنها فريدة: اسم على مسمى، وتدمع عيناه عليها كلما تذكرها، فسلام على من حافظوا على الوفاء بالعهد، وأخلصوا طول الزمان. فحتى كلمة الوفاء فإن من يتسم بها يجد أنها تجعل قلب صاحبها لا يحمل سوى الحب والعطاء والتقدير والاحترام. والوفاء في الحب يجعل من الحب معنى أكثر قيمة.

اقرأ أيضاً:   إسرائيل ونَفَس المغرب الطويل

كان رحمه الله شعاره التفاؤل يزرع الأمل فينا، وكان يحترم الجميع ويحترم الرأي الآخر، وكان يتمنى لو أن هناك وزارة للاحترام العام، كان كثير العطاء والبذل فقبل وفاته قدم (100) ألف وثيقة جمعها طيلة حياته مكتوبة بخط يده، كنا نقلبها معه في بيته، قدمها ليطلع عليها الباحثون، عبر الشبكة العنكبوتية بالمجان “حفيظة دون حفيظة “؛ فقد كان من الرافضين للملكية الفكرية، ويعتبر المعلومة حق الجميع.

رحم الله رمزا من رموز الوطن، افتقدناه ونفتقده، رحل وبقي في أذهاننا وقلوبنا… سنبقى أوفياء له

ولعلمه… أسكنه الله فسيح جناته، وجمعنا به في عليين.

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى