عندما تُزوّر الحقائق ويجري التنكّر للتاريخ . . !

عندما تُزوّر الحقائق ويجري التنكّر للتاريخ . . !
موسى العدوان

من المؤسف أن يقوم كاتب يحمل الهوية الأردنية، ويترأس مركزا للدراسات السياسية، أن يقلب #الحقائق ويتنكر للتاريخ الحديث، الذي ما زال معظم صانعيه على قيد الحياة، فتحول بين عشية وضحاها إلى محلل عسكري استراتيجي ونشر مقالا بتاريخ 23 حزيران 2021 تحت عنوان : ” منظمة التحرير . . من #الكرامة إلى #سيف #القدس ” ما يلي وأقتبس :
” قرر الرئيس الراحل ياسر عرفات، خوض معركة الكرامة، وجها لوجه مع الإسرائيليين، خسرت فتح مئة شهيد، وكسبت عشرات ألوف المتطوعين في اليوم التالي، فكانت الانطلاقة الثانية ( الحقيقية ) للثورة الفلسطينية، التي ستُغري عرفات لاقتحام منظمة التحرير، التي لم يكن قد مر على ولادتها من الخاصرة العربية، سوى أربع سنوات، وليخوض بعدها معركة ( الشرعية ) و
( الممثل الوحيد )، وكان له ما أراد “. انتهى الاقتباس.
وقبل أن أناقش أقوال الكاتب أحب أن أوأكد : أنني أقدّر عاليا ما قامت وما تقوم به #المقاومة #الفلسطينية في غزة، سواء في عمليتها الأخيرة ” سيف القدس ” أو ما سبقها من عمليات، وكتبت في السنوات الماضية، عدة مقالات، أشدت بها بتلك المقاومة الجريئة وتضحياتها. ولا يسعني اليوم إلا أن أترحّم على جميع الشهداء، الذي ارتقوا إلى السموات العلا، وأتمنى الشفاء للجرحى.
ولكي أذكّر الكاتب وغيره، ممن يتنكرون أو يتناسون دور القوات المسلحة الأردنية في معركة الكرامة، فأجدني مضطرا لبيان بعض الحقائق التي تدحض تخرّصاتهم، وتجّيير التاريخ لمآربهم الخاصة. فقرار خوض المعركة – أي معركة – يكون بيد الطرف الذي يقرر الهجوم على طرف آخر، وليس لمن يقوم برد الفعل. ففي حالتنا بمعركة الكرامة، كان زمام المبادرة واختيار الأهداف والزمان والمكان، بيد العدو الإسرائيلي. وكان دورنا الذي قرره الملك حسين – وليس ياسر عرفات – هو استعداد القوات المسلحة في التصدي للقوات الإسرائيلية المعتدية، إذا ما اجتازت في نهر الأردن.
كانت القوات الأردنية التي واجهت ما يزيد على فرقتي دروع، مدعومة بسلاح الجو والمدفعية الثقيلة ممثلة بالفرقة الأولى، التي قادها اللواء مشهور الجازي. كانت الفرقة تتألف من : لواء القادسية بقيادة العميد قاسم المعايطة عل محور العارضة، لواء عالية بقيادة العميد كاسب الجازي على محور وادي شعيب، لواء حطين بقيادة العميد بهجت المحيسن على محور ناعور، مدعومة جميعها باللواء المدرع 60 بقيادة العقيد الشريف زيد بن شاكر، وبإسنادها مدفعية الفرقة بقيادة العقيد عبد الحليم الدباس، ومن بقية الأسلحة والخدمات.
قوات الفدائيين مع تقديري واحترامي لها، تتألف من جنود مشاة يحملون أسلحة خفيفة ذات مديات قصيرة، ويعتمدون في عملياتهم على الحركة، التي هي الصفة المميزة لحرب العصابات. كانت المعركة معركة دروع وليست معركة مشاة، أي دبابة مقابل دبابة بمدياتها البعيدة التي تتراوح بين 1800 – 2000 متر، مسندة بالمدفعية والطائرات. وهذا يخرج عن دور جنود المشاة والفدائيين الذي يعتمد على الاشتباك على المديات القصيرة، وفي حالة الالتحام مع العدو بالسلاح الأبيض.
كان الفدائيون بأعدادهم المحدودة نسبيا، متمركزون في داخل بلدة الكرامة وعلى أطرافها، ولم يكن أحد منهم قريبا من النهر، داخل مناطق الوحدات العسكرية. وفي هذا السياق يقول نائب القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية الفريق الركن عبد الرزاق اليحيى في كتابه : ( بين العسكرية والسياسة ) ما يلي : ” كان قرارنا هو العمل على محاربة المظليين الإسرائيليين. ولتحقيق هذه المهمة، قمنا بنشر فصيلة ( 30 مقاتل ) من قوات القادسية على تلال الكرامة، وزودناها بالرشاشات الخفيفة والمتوسطة والثقيلة والقنابل اليدوية “.
اخترق العدو نهر الأردن – الحدود المؤقتة – مع ساعات الفجر يوم 21 آذار، واستمر القتال عنيفا لمدة 16 ساعة متواصلة، حيث تكبد العدو خسائر كبيرة، اضطرته لطلب وقف إطلاق النار لأول مرة في تاريخه. إلا أن الملك حسين رفض وقف إطلاق النار، طالما أن هناك جندي إسرائيلي واحد شرقي النهر. وهكذا كُسرت نظرية الجيش الذي لا يُقهر . . !
ويضيف الفريق اليحيى : في المعركة حدث ما توقعناه، إذ تم إنزال مظليين من الجيش الإسرائيلي في المنطقة التي نشرنا فيها الفصيلة الفلسطينية ووقع اشتباك عنيف معها. وتمكنت القوة الفلسطينية من دحر المظليين الإسرائيليين. في حين كانت المدفعية الأردنية تُنزل خسائر جسيمة في دبابات العدو وآلياته وقواته، وتنجح في وقف الزحف الإسرائيلي. كما كانت مجموعات من المقاتلين الفلسطينيين، غالبيتهم من ” فتح ” تقاتل بنجاح القوات الإسرائيلية عند قرية الكرامة وعلى حافة نهر الأردن الواقعة في منطقة القتال”.
وبعد انتهاء المعركة وانسحاب العدو من جميع الأراضي الأردنية وجه جلالة الملك الرسالة التالية لمرتبات القوات المسلحة قال فيها : ” لقد مثلت معركة الكرامة بأبعادها المختلفة، انعطافا هاما في حياتنا، ذلك لأنها هزت بعنف أسطورة القوات الإسرائيلية. كل ذلك بفضل إيمانكم وبفضل ما قمتم به من جهد، وما حققتم من تنظيم، حيث أجدتم استخدام السلاح الذي وُضع في أيديكم، وطبقتم الجديد من الأساليب والحديث من الخطط. وإنني لعلى يقين بأن هذا البلد، سيبقى منطلقا للتحرير ودرعا للصمود وموئلا للنضال والمناضلين، يحمي بسواعدهم ويذود عنه بأرواحهم، وإلى النصر في يوم الكرامة الكبرى والله معكم “.
ومن شهادات العسكريين الأجانب الأجانب، في حسن أداء القوات المسلحة – وليس غيرها – ما قاله ” الجنرال جريشكو ” رئيس أركان القوات المسلحة السوفيتية آنذاك : ” لقد شكلت معركة الكرامة نقطة تحول في تاريخ العسكرية العربية “. أما العقيد أهارون بيلد قائد إحدى مجموعات القتال التي شاركت في الهجوم على الكرامة فقد قال : ” لقد شهدت قصفا شديدا عدة مرات في حياتي، لكنني لم أرَ شيئا كهذا من قبل. لقد أصيبت معظم دباباتي في العملية ما عدا اثنتين فقط”.
يقول الكاتب في مقاله : ” . . . وليخوض بعدها عرفات معركة الشرعية والممثل الوحيد، وكان له ما أراد “. ولا أعرف إن كان هذا ” الخوض ” الذي جاءت مخرجاته في مؤتمر الرباط عام 1974، كان في صالح القضية الفلسطينية، أم كان ” خوضا ” في الإجهاز عليها، وأوصلها إلى هذه النهاية المحزنة التي نعيشها اليوم بكل مآسيها ؟
وختاما أقول : تزوير التاريخ الذي يمارسه بعض الكتاب، يمكن أن ينطلي على الناس الذين لم يعيشوا زمن تلك الأحداث. أمّا تزوير التاريخ والتنكر لتضحيات الشهداء، في زمن عاش الناس زمان أحداثه، وما زال معظمهم أحياء، ، فإنه لن يقنع أحدا ولن يحقق مصداقية أي مؤرخ، مهما تاجر بمقالات مفبركة . . !
التاريخ : 25 / 6 / 2021

اقرأ أيضاً:   نقيب الجيولوجيين : البحر الميت يستصرخ ووزارة الطاقة المياه السوداء ليست نفطا
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى