طبقات الكُتّاب في شؤون الجامعات

طبقات الكُتّاب في #شؤون #الجامعات
د. حفظي اشتية

بعض #النقاد ساخر لاذع يتساقط الدرّ من فمه، فيلتقطه الحُذّاق يتحفون به كتبهم، وتتناقله الأجيال فاكهة للمجالس.
قال #الجاحظ : يُقال للمجيد من #الشعراء فحل، ولمن دونه مفلق، ثم #شاعر ثم شويعر ثم شعرور. وضجر أحدهم ذات مرة من أدعياء الأدب والشعر، فرسم لنا شرعة ومنهجا لميز التبر من التراب، فقال : الشعراء أربعة : شاعر يَجري ولا يُجرى معه، وشاعر يسير وسط المعمعة، وشاعر لا تودّ أن تسمعه، وشاعر لا تستحي أن تصفعه.(تعددت الأقوال في القائل، وتنوعت الروايات.)
وقد كثر في زماننا هذا الكُتّاب الذين يتناولون شؤون الجامعات وتصنيفاتها وقضاياها الأكاديمية والإدارية وشيوع المظالم في بعضها…..وانفتحت أمامهم المواقع الإخبارية ووسائل التواصل، واختلط الحابل بالنابل، وتراوحت الآراء بين مادح وقادح، وصائل وجائل.
وعلى نهج الجاحظ ( وأين نحن منه ؟ ) سنحاول رسم خريطة لطبقات هؤلاء الكُتّاب.
الكُتّاب أربعة :
1ــ كاتب: هو عالم رصين موثوق، همه على الوطن، ينقد ولا ينقض، يتناول القضية بنزاهة وموضوعية بعيدة عن الهموم الذاتية والمطالب الشخصية، يعالج موضوعه بتأنٍّ ورويّة، يعرض المقدمات والفرضيات ويصل إلى النتائج المقنعة المنطقية.
إنه يبحث عن الحقيقة: ليس مع أحد، وليس ضد أحد، ولا مصلحة له في الأمر، فكل ما يعينه تعزيز كل ما هو إيجابي وترسيخه وتعميمه، وكشف كل ما هو سلبي وتعريته ومناقشة أسبابه، ووضع الحلول الناجعة الناجحة للنأي عنه والخلاص منه.
فمثل هذه الكاتب جدير بكل ثناء، وترفع له القبعة.
2ــ كُويتب: إنه صاحب همّ شخصيّ وقضية خاصة، تعرّض لظلم بيّن في مؤسسته، فثارت شجونه وأشجانه، وبدأ يمعن النظر فوجد أن المظلومين أمثاله كثيرون، وأن قضيته الشخصية يعاني منها آخرون، فشرع يكتب ويشرح مشكلته، وهو مقتنع بأنه يفزع لغيره أيضا، لأن همه الخاص يتدحرج ليصبح همّا عامّا، ودفاعه عن نفسه هو دفاع عن مظلومين مثله، ومواجهته لظالمه هي مواجهة لكل ظالم على شاكلته. وهكذا يكون قد بدأ متمحورا حول ذاته، لكنه خلال مسيره وجد نفسه ضمن موكب من أشباهٍ يعانون وجعه، فكان لهم لسان حالهم، وإن صدق وصدقوا فالله معهم ومعه.
3ــ دون الكويتب: إنه صاحب مطلب صغير رخيص، يعرف أنه لن يناله بالحق والجدارة، لأنه قاصر متهالك، بضاعته مُزجاة، وإمكاناته الأكاديمية متهاوية، صِغَرُ نفسه أراح جسمه على خلاف حكمة المتنبي، يرود السهل، وليس بطلاع الثنايا، تصاغر حتى غدا بوقا ناعقا بنغمات ناشزة تمجد مسؤولا بعيدا كل البعد عن أية سمة من سمات المجد، تفضح كلماته عِيّه لغة وأسلوبا ومضمونا، جمع الحشف وسوء الكيل، وزاد عليها ماء وجه مراق، وهوان نفس مبتذل.
فمثل هذا جدير بمن يهمه أمره أن ينصحه وأن يُسمعه ما يرده عن غِيّه ليردعه.
4ــ وخارج هذه الطبقات الثلاث سنواجه نوعا رابعا لا نجد له وصفا في لسان العرب في باب الباء فصل الكاف.
إنه دخيل على ساحة العلم والعلماء، والكتابة والكتاب، امتهن نوعا رخيصا من الإعلام يدور في حلقة الدحّيّة، يحوشي بحركات حمقاء بلهاء غير فنية، أشبه بمشي الجمال المثقلة، يخالف الانسجام حوله ويهيم وحده في دنيا النفاق، قد التصق بالأبواق، وتمسّح بكل مسؤول تلوح له عنده بارقة مصلحة، يتنافخ ظانّا أنه صاحب قلم سيّال مهيب، فيكتب، وليته لا يفعل!! فتظل رِجلا أبي حنيفة الممدودتان شاهدتين على قلة هيبة من تكلم أو كتب، وفهاهته، وتفاهة قوله وكتابته.
تمكن مثل هذا في مثل هذه الظروف غير الطبيعية أن يحصل على شهادة بـ ” الشلفقة”، وأن يتعين بــ”الشلوطة”، وأن يترقى بـ”النطنطة”، وأن يرتقي المناصب بـ”الشعبطة”. ومضى على نهجه هذا يحطب في الليل المكاسب لزوجته وأبنائه وأقربائه وأصدقائه، فكيف لا يكون مثل هذا بوقا بائسا للمسؤول، يدافع عنه وهو نفسه أكبر دليل على فساده وعبثية قراراته؟! طبيعي جدا أن يدافع، وطبيعي أكثر ألّا نعجب من ذلك.
( تعجبين من سقمي؟ صحتي هي العجب! )
يدافع عنه وهو الشاهد الأكبر على تهاوي المؤسسة، وظلم رئيسها ومزاجيته، فهو يحجب أدنى الحقوق عن مستحقيها الجديرين بها، ويمنح الأدعياء المصفقين كل ما لا يستحقون، لأنهم يسندون حائطه المائل بمقالات متهالكة لا طعم لها ولا لون، لا شكل يحمد فيها ولا مضمون، فما هي إلا غثاء مصفوف من كلمات لا روابط بينها ولا معنى لها، تذكرنا بحكاية الأعرابي الذي وقف على حلقة الأخفش ومعه قوم يتدارسون النحو، فسأل الأخفش: ما رأيك بما سمعت يا أعرابي؟ فقال: أراكم تتكلمون بلساننا في لساننا بما ليس من لساننا!!!
وليت مثل هذا (الكاتب العرمرم المحترم!) يفرّغ جهده فقط للدفاع عن مناصبه ومكاسبه، لكنه يمضي لمهاجمة كل محق ينتقد أو يتظلم، ويرى ذلك جلدا للذات وإساءة للمؤسسات، فينصح بمحاسبة المنتقدين والمتظلمين ومحاكمتهم، وينصب نفسه ممثلا شرعيا ومحاميا قانونيا للدفاع عن معلمه وولي نعمته.
وتزيد تفاهة المقالة بأن صاحبها ينهيها بتوزيع التحايا، وكأنه يجمع نقوط العريس، وكأن من يحييهم يحتاجون إلى شرف تحيته، وكأنهم لا يشمون رائحة النفاق النفّاذة التي تزكم الأنوف في تلك التحية المفتعلة!!!
ولا نملك إلا أن نرثي لحال المسؤول الذي يستند إلى مثل هذه المقالات، ويستقوي بها، وفيها الدليل الصارخ على إدانته، فقد ضعف الطالب والمطلوب.
مثل هذا البوق الإعلامي كمثل أطرش الكلاب، يراها تلهث من العطش، فيظنها تنبح، ويستمر في النباح مزعجا السامعين العطاش إلى قطرة العدل وقولة الحق.
إنه يستحق عقوبة الشاعر الدعيّ بأن تصفعه، بل تتعامل معه بكل فعل على هذا الوزن وحروف مشابهة يمنعنا المقام الوقور من الإفصاح عنها.
ونذكر هؤلاء بقول رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت.
فهلّا رحمتمونا بصمتكم!! فإن السكوت لكم هيبة، وكلامكم لا يكشف إلا هراءكم….

اقرأ أيضاً:   الصافع والمصفوع
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى