ذريعة “التدرج” في الإصلاح السياسي في الأردن

ذريعة “التدرج” في #الإصلاح #السياسي في #الأردن

الأستاذ الدكتور أنيس الخصاونة

في غمرة احتفالات المملكة بمرور مائة عام على تأسيسها ما زال البعض يبدي مخاوفه من الإنخراط في إصلاحات سياسية جذرية تطال البنى الأساسية والمحاور الجوهرية للنظام السياسي. مرت مائة عام على تأسيس الدولة وما زلنا نتجادل على شكل الأحزاب وشروط تأسيسها ،وقوانين الانتخاب ،والكوتات وعدد الدوائر الانتخابية ، وحصانة النواب في الوقت الذي حققت دول لم يتجاوز عمرها خمسة أوستة عقود مستويات متقدمة من الديمقراطية والحرية ،والتعددية ،والمشاركة السياسية .

إن مخرجات اللجنة الملكية لتطوير المنظومة السياسية والأجواء والنقاشات التي سادت مداولاتها تظهر بما لا يدع مجالا للشك الحرص على المحافظة على الشكل الحالي للنظام السياسي ،والتردد في إدخال تعديلات تمس المحاور الجوهرية المتصلة بالولاية العامة للحكومة، ورفع كافة القيود والشروط المتعلقة بتشكيل الأحزاب وحرية ممارستها لوظائفها وأدوارها .لا نعلم كيف يتنبأ دولة رئيس لجنة الإصلاح بأنه سيكون لدينا في الانتخابات النيابية القادمة 45 نائب حزبي ويتوقع دولته ارتفاع العدد في الانتخابات التالية الى 65 ليصل خلال عشرون عاما إلى 85-90 نائبا من منتسبي الأحزاب !من جانب آخر لا نعلم كيف يمكن أن يتم إجراء تعديلات دستورية وتعديلات أساسية على قوانين الأحزاب والإنتخاب وتمرير هذه التعديلات من خلال مجلس نواب انتخبه أقل من 29% فقط من عدد الناخبين المسجلين في المملكة!

الدعوة للإصلاح التدريجي في الأردن تكاد تكون هي القاسم المشترك الذي تلتقي حوله معظم النخب المنتفعة من الأوضاع الحالية والتي لا تألو جهدا في التأكيد على مخاوفها من الانخراط في إصلاحات سياسية جذرية تطال الدستور، ومجمل الحياة السياسية في المملكة.حجة هذه النخب المرتعدة تستند إلى ذرائع ومسوغات لا تصمد ولا تستوى أمام الحجج والأدلة والمنطق.أعضاء هذه النخب يحذرون من قفزات في الهواء ،وخطوات في المجهول ، ويبدون قلقهم وخوفهم من تمزق النسيج الاجتماعي ،وانتشار الفوضى، وانفلات الأمن، وانهيار هيبة الدولة وغير ذلك.

الحقيقة أنه من غير المفهوم كيف سيؤدي إصلاح الدستور الذي بموجبه تصبح الحكومة هي من تتولى إدارة شؤون الدولة،ويصبح البرلمان هو الرقيب الحقيقي على الحكومة وتصريف شؤون العباد ،كيف سيؤدي ذلك الى تهديد أمن الدولة والسلام المجتمعي؟ نحن نعتقد بأن ممارسة الحكومة للولاية العامة يعزز من قدرة الشعب على مساءلة رئيس الوزراء والوزراء و”جرجرتهم” للقضاء والمحاكم عند تقصيرهم في القيام بواجباتهم أو ارتكابهم لمخالفات إدارية أو جرائم اقتصادية أو غيرها .إن تفعيل مبدأ الولاية العامة للحكومة والتي نص عليها الدستور كان ينبغي أن يشكل محور مهما من محاور اللجنة الملكية لتطوير المنظومة السياسية. التعديلات المتكررة على الدستور الأردني أفرغت مفهوم الولاية العامة من محتواه مما أنتج حكومات فنية خدماتية لا ترقى إلى المقاصد الدستورية والتشريعية التي أرادها المشرعون الأوائل .وعليه فإن الحكومات المتعاقبة لم تعد حكومات حقيقية ،والوزراء لم يعودوا رجال الدولة يعتد بهم وبرؤاهم وبصيرتهم السياسية والقيادية.

الإصلاح التدريجي في الأردن لم يعد يقنع أحد ،ولم يعد يناسب دولة عمرها مائة عام. تدريجي لماذا؟ هل هناك خوف من أن يتسبب الدواء السريع بهلاك المريض العليل؟ هل هناك خوفا من أن يتسبب الإصلاح بدمار المجتمع وتفتت الوحدة الوطنية ؟ معظم من يدعون للتدرج في الإصلاح هم مرجفون مرتعدون يخشون أن تلحقهم تبعات الإصلاح والمسائلة؟ التدرج في الإصلاح السياسي في الأردن هي دعوة لتأجيل استحقاقات وطنية ملحة وعاجلة …الدعوة للتدرج في الإصلاح هي دعوة لتأجيل نيل الجماهير لكرامتها واستعادة عزتها ومقدراتها واستقلالية قراراتها وسيادتها..الدعوة للتدرج في الإصلاح السياسي هي دعوة لاستمرار نهب مقدرات المجتمع واستمرار هيمنة نخب معروفة على مقدرات الدولة ومواقعها ومفاصل صنع القرار فيها… الدعوة للتدرج في الإصلاح هي تخويف للناس من الإصلاح وربط نتائج الإصلاح بالدماء والعنف علما بأن ما نشهده من عنف في بعض الدول العربية وغير العربية هو ناجم عن عدم القيام بالإصلاح وليس نتاج أو مخرج للإصلاح السياسي …الدعوة للتدرج في الإصلاح السياسي هي في حقيقتها دعوة للإجهاز على ما تبقى من مصادر وثروات وضرائب يدفعها المواطنون الأردنيون من عرقهم وأحيانا من كرامتهم وكبريائهم. التدرج في الإصلاح هو التفاف على الإصلاح عن طريق التسويف والتأجيل وإخماد لجذوة مطالبات الأردنيين بالحرية والعدالة الاجتماعية والمشاركة في صناعة القرار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى