خلق الثقة بين الرئيس والمرؤوس عسكريا وفقدانها سياسيا

خلق الثقة بين الرئيس والمرؤوس عسكريا وفقدانها سياسيا
موسى العدوان
يقول الفريق المصري الراحل سعد الدين #الشاذلي في مذكراته ” #حرب #أكتوبر”، حول خلق #الثقة بين #الرئيس و #المرؤوس، والذي يهم #العسكريين أكثر منه #المدنيين، في ممارستهم الحياة العملية في وحداتهم العسكرية، ما يلي واقتبس :
” إن القائد لا يستطيع أن يكسب ثقة جنوده بمجرد الشعارات البراقة، أو عن طريق إصدار التعليمات والتوجيهات والنداءات، وإنما عن طريق القدوة الحسنة والعلاقات المتبادلة، التي أساسها الصراحة واحترام الذات. إن القائد يستطيع أن يكتسب ثقة واحترام جنوده، إذا توافرت فيه الصفات التي تجتذب الجندي إليه وأهمها : المعرفة، الشجاعة، الخشونة، الصدق في القول، العدل بين المرؤوسين، وعدم المحاباة على أساس القرابة والصداقة.
إن الجندي لا يهتم بما يسمع، فهو يعلم بغريزته أن ليس كل ما يقال حقيقة، ولكنه يرى ويحس بما يدور حوله. إنه لمن السذاجة أن يطلب القائد من جنوده التقشف، بينما هو يعيش عيشة مرفهة، إنهم سيسمعون وأدبا سيسكتون، ولكنهم فيما بينهم سينتقدون ويستهزئون. لق حاولت طوال خدمتي في القوات المسلحة أن أغرس المُثل العليا في نفوس الضباط والجنود. فعندما كنت قائدا لمنطقة البحر الأحمر العسكرية في سنتي 70 – 71، كنت أسكن في ملجأ مساحته 2 في 4 أمتار.
لقد كان باستطاعتي أن أسكن في فيلا جميلة، ولكني فضّلت أن أعيش في المستوى نفسه، الذي يعيش فيه ضباط برتبة ملازم أو نقيب في القوات المسلحة. ، لم يحدث قط أن اشتكى لي أحد الضباط أو الجنود من الحياة الشاقة التي يعيشونها، لأنهم كانوا يرون بأعينهم كيف أعيش وكيف أشاركهم حياتهم.
وعندما توليت منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، حاولت أن أثبت المثل العليا التي كنت أومن بها في جميع أرجاء القوات المسلحة، لكي أخلق جو الثقة بين الجنود والقادة. لم أكن أهتم في ذلك بشخصي لأن خدمتي في القوات المسلحة لمدة 30 سنة سابقة، كانت كافية لكي يعرف الضباط والجنود أخلاقي ومبادئي، فكثيرون منهم إما أن يكونوا قد خدموا تحت قيادتي، أو سمعوا من بعض زملائهم الذين خدموا تحت قيادتي.
كان همي أن أخلق روح الثقة هذه، بين القادة على مختلف المستويات وبين الجنود، وبصفة أساسية بين آلاف الضباط الصغار وبين جنودهم. ومن بين الإجراءات التي اتخذتها في هذا الاتجاه، كان موضوع ” التدريب بالمغامرة “، وكذلك إعادة إدخال الرياضة والمنافسات الرياضية في القوات المسلحة، بعد أن كانت قد أوقفت منذ يوليو 1967.
واعتبارا من يناير 1972 بدأت المنافسات الرياضية، بين 14 قيادة عسكرية في 7 ألعاب، أي أنه طوال العام كانت تتم أكثر من 450 مقابلة رياضية. وفد استقبل القادة والجنود هذه المنافسة بحماس شديد، وحققت أكثر من هدف : فقد حطمت الحواجز بين الضباط والجنود، وخلقت روح الفريق. وبالإضافة إلى ذلك فقد كانت توفر مناسبة ترفيهية لآلاف الضباط والجنود، الذين يحضرونها لتشجيع فرقهم الرياضية. لم تتوقف المنافسات الرياضية خلال عام 1973، بل ازداد عدد الألعاب التي يجري التنافس عليها، وازدادت العلاقة بين الضباط والجنود عمقا “. انتهى الاقتباس.
* * *
التعليق : هذا هو الفريق الراحل سعد الدين الشاذلي – رحمه الله – بطل حرب أكتوبر 1973، حيث كان يشغل منصب رئيس أركان القوات المسلحة المصرية آنذاك، وهو من ساهم في التخطيط لحرب أكتوبر ووضع خطة العبور لقناة السويس. وقد حدث خلاف بينه وبين الرئيس أنور السادات، عندما اقترح الشاذلي في مساء يوم 20 أكتوبر سحب الفرقتين المدرعتين 4 و 21 من شرق القناة، لمواجهة القوات الإسرائيلية التي عبرت إلى غربي القناة من خلال ثغرة الدفرسوار، فأخلّت وأضعفت موقف القوات المسلحة المصرية التي كانت تسيطر على الوضع في ساحة العمليات.
يقول الشاذلي أن مذكراته جاءت ردا على أكاذيب وخداع السادات، واتهامه له بالتخاذل والتسبب بحدوث ثغرة الدفرسوار، فأوضح الشاذلي بأن السادات واتهمه تنازل عن النصر الذي حققته القوات المسلحة في تلك الحرب، وأنه ارتكب ثلاثة أخطاء كبيرة، خفضت من شعبيته في مصر وفي العالم العربي. ففي نوفمبر 1977 قام بزيارته المشؤومة إلى القدس، وأعطى الكثير لإسرائيل دون أن يحصل على شيء. وفي ابريل 1978 نشر مذكراته وهو لا يزال في السلطة والتي تضمنت الأكاذيب وتُعد عملا لا أخلاقيا، وفي مايو 1978 اتخذ إجراءات تعسفية لإسكات كل رأي حر في البلاد.
على أثر خلافه مع السادات قدم الشاذلي استقالته من القوات المسلحة، وبعد الحرب عيُن سفيرا لمصر في بريطانيا ثم في البرتغال. ولكن الشاذلي أظهر معارضته الشديدة لاتفاقية كامب ديفيد التي وقعت بين مصر وإسرائيل في 17 سبتمبر 1978، فاستقال من منصبه كسفير لمصر في البرتغال، ثم طلب اللجوء السياسي في الجزائر، حيث أمضى هناك 14عاما، عامان منها في عهد الرئيس السادات و12 عاما في عهد الرئيس حسني مبارك.
وخلال تلك الفترة أصدرت المحكمة العسكرية ضد الشاذلي، حكما غيابيا بالسجن ثلاث سنوات مع الأشغال الشاقة، وتجريده من حقوقه السياسية، بتهمة إفشاء أسرار عسكرية، ونشر كتاب بدون موافقة مسبقة. وقد اعترف الشاذلي بالتهمة الثانية، ولكنه أنكر التهمة الأولى، وطلب إعادة محاكمته علنيا أمام الشعب، إلا أن طلبه قوبل بالرفض.
لقد كتبت مجلة تايم الأمريكية شهادتها بأداء الشاذلي قائلة : ” كان الشاذلي العقل المدبّر للهجوم المصري، وتدمير خط بارليف المنيع “. عاد الشاذلي إلى مصر عام 1993 بعد أن صدر عنه عفو عام، وعاش في قريته بعيدا عن الأضواء إلى أن توفي عام 2011. رحم الله الفريق الشاذلي على ما قدمه من خدمات لوطنه، وللأمة العربية بشكل عام، فهذه نتيجة القادة المخلصين لأوطانهم . . !
التاريخ : 30 / 7 / 2021

اقرأ أيضاً:   وفاة رئيسين للجزائر في أسبوع واحد
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى