جريمة الإغتيال المنسية / مهند ابو فلاح

جريمة الإغتيال المنسية

مهند ابو فلاح

  • شَهِدَ شهر تموز / يوليو في التاريخ الأردني المعاصر العديد من جرائم الاغتيال التي حظيت بإهتمام الباحثين و لفتت أنظار القراء المهتمين و على رأسها جريمة اغتيال الملك المؤسس جلالة المغفور له الملك عبد الله الاول في ٢٤ / ٧ / ١٩٥١ على اعتاب المسجد الاقصى الشريف
    و جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رياض الصلح قبل ذلك التاريخ بخمسة أيام في ١٩ / ٧ / ١٩٥١ ، لكن جريمة اغتيال أُخرى حدثت في ذات الشهر بعد هاتين الجريمتين بخمسة أعوام تلفها ستائر النسيان كما يقال !!!!! و الحديث هنا يدور عن جريمة اغتيال العميد صلاح الدين مصطفى الملحق العسكري المصري في عمّان .

استيقظت عمّان في صبيحة الرابع عشر من تموز / يوليو من العام ١٩٥٦ على وقع انفجار طرد مفخخ أودى بحياة أحد أبرز أفراد السلك الديبلوماسي العاملين في السفارة المصرية فيها و الذي لم يكن قد مضى وقت طويل على استلامه منصبه الحساس فيها كملحق عسكري ، و لم يكن هذا الرجل سوى العميد صلاح الدين مصطفى .

العميد صلاح الدين مصطفى كان أحد الضباط الأحرار الذين شاركوا في صناعة ثورة ٢٣ يوليو في مصر الكنانة على نظام الملك فاروق في العام ١٩٥٢ و تمكنوا من الإطاحة بهذا الرجل ذو الأصول الالبانية الارناؤوطية و إقامة الجمهورية في شمالي وادي النيل ، بيد أن اغتيال العميد صلاح الدين مصطفى في العاصمة الأردنية قبل تسعة أيام فقط من احتفال مصر العروبة بالذكرى السنوية الرابعة لثورة يوليو لم يكن السبب المباشر لتلك الجريمة النكراء رغم حساسية التوقيت و اهميته البالغة ، فقبل اغتيال العميد صلاح جرت جريمة اغتيال مماثلة بإستخدام طرد مفخخ طالت نائب الحاكم العسكري المصري في قطاع غزة .

اقرأ أيضاً:   المرحلة الاستراتيجية الجديدة للأردن / نور الدويري

العقيد مصطفى حافظ الملقب بأب العمل الفدائي في قطاع العزة و الفخار و راعي الكفاح المسلح في خمسينيات القرن الماضي طالته يد الموساد الصهيوني الغادرة قبل اغتيال العميد صلاح الدين مصطفى بثلاثة أيام فقط في ١١ / ٧ / ١٩٥٦ و كان ذلك بمثابة رد صهيوني غاشم على الدور المحوري المركزي الذي لعبه الشهيد مصطفى حافظ في تنظيم العشرات بل المئات من العمليات الفدائية البطولية ضد العدو الصهيوني في عمق الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة انطلاقا من قطاع غزة بدءً من شهر شباط / فبراير ١٩٥٥ في أعقاب الغارة الصهيونية الإجرامية الخاطفة على معسكر للجيش المصري في منطقة البريج جنوب مدينة غزة هاشم الأبية و التي أودت بحياة العشرات من أفراد هذا الجيش العربي الشقيق ، مما دفع الرئيس جمال عبد الناصر إلى اتخاذ قرار هام جدا بالرد على الاعتداءات الصهيونية المتكررة من خلال العمل الفدائي خلف خطوط العدو و في عمق الاراضي المحتلة و هو الأمر الذي أدى إلى تكبيد العدو الغاشم خسائر فادحة في المعدات و الأرواح بحسب اعترافه .

سلسلة العمليات الفدائية الموجعة انطلاقا من قطاع غزة الباسل لم تكن كافية لوحدها لإحداث توازن الرعب و الردع مع حكام تل أبيب مما دفع القيادة المصرية جادةً إلى التفكير في فتح جبهة أخرى موازية لا تقل أهمية عن نظيرتها في القطاع إن لم تكن تزيد أهمية بأضعافٍ مضاعفة الا و هي جبهة الضفة الغربية التي كانت في ذلك الوقت تخضع للسيادة الأردنية مما دفع الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر إلى اختيار أحد أكفأ الضباط الأحرار العاملين في سلك الاستخبارات العسكرية للتحضير و التجهيز لهذه المهمة و هو الأمر الذي تم على ضوئه اختياره ليكون ملحقا عسكريا في سفارة بلاده في عمّان ، و بالفعل باشر العميد صلاح الدين مصطفى مهمته في الاردن بإجراء جولات تفقدية في القرى الواقعة على طول خطوط الهدنة الأمامية مع العدو الصهيوني في الضفة الغربية تمهيدا لاطلاق سلسلة من العمليات الفدائية دعما و إسنادا لجبهة العمل الفدائي في قطاع غزة لكن أعين العدو الصهيوني و أعوانه لم تكن غافلة عن رصد ذلك النشاط المحموم و متابعته فعاجلته بأسلوبها الخسيس القذر مما أحدث صدمة عنيفة في القاهرة و هذا ما ظهر واضحا جليا في الخطاب الذي ألقاه جمال عبد الناصر بعيد ذلك بأيام قليلة .

اقرأ أيضاً:   ما بين الباص السريع والمترو

الكلمات التي آبن بها الرئيس جمال عبد الناصر في الخطاب الذي القاه في المنشية بالاسكندرية في ٢٦ / ٧ / ١٩٥٦ الشهيدين البطلين مصطفى حافظ و صلاح الدين مصطفى رحمهما الله تعالى تستحق ان تسطر بماء من الذهب اذ قال في ذات الخطاب الذي اعلن فيه تأميم شركة قناة السويس العالمية ما يلي : – ” اخوكم و أخي الذي قام معي في ٢٣ يوليو ليجاهد من أجل مصر و آثر ان يكافح و يجاهد في صمت و سكون ، و لم يكن أحدٌ منكم يعرف من هو صلاح مصطفى ، و ماذا عَمِل ؟ و ما دوره في ٢٣ يوليو ؟ كان يؤمن أنه وهب روحه و نفسه و دمه في سبيل القومية العربية ، فإذا كانوا قد اغتالوا صلاح مصطفى بهذه الوسائل التي كانوا يستعملونها قبل حرب ١٩٤٨ فأنا أشعر بأن العصابات التي تحولت إلى دولة تتحول مرة أخرى إلى عصابات ، و اذا كانوا يعتقدون أنهم بقتل صلاح مصطفى و التخلص منه لن يجدوا امثال صلاح مصطفى فإنهم بذلك واهمون ، أننا سنقاتل
لاخر قطرة من دمائنا كصلاح مصطفى و مصطفى حافظ كلنا سنقاتل في سبيل بناء بلدنا “

اقرأ أيضاً:   الفطر الخبيث والحميد

إن أية خلافات في التوجهات الايديولوجية الفكرية لا يمكن لها أن تكون مبررا لتجاهل التضحيات الجسيمة التي قدمها أبناء أمتنا العربية المجيدة دفاعا عن كرامتها و أقدس مقدساتها في ارضنا العربية المحتلة ، لذلك فإن واجبنا القومي يدفعنا إلى تسليط الأضواء على هؤلاء الشهداء الأبرار الذين قدموا أرواحهم الغالية رخيصة دفاعا عن عروبة فلسطين ، المجد و الخلود لشهدائنا الأبرار و الخزي و العار لاعدائنا الأشرار .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى