بين حضارتين

بين حضارتين

الدكتور عبدالله عامر البركات


يقدم المفكر الاسلامي الجزائري مالك بن نبي(١٩٠٥- ١٩٧٣) طرحاً اصيلاً في محاولة لفهم التباين الحضاري بين #الحضارة #الغربية والحضارة #الاسلامية. ولعل ما يدور اليوم من سجال في المجتمع الاردني كرد على ما صرحت به أحدى المثقفات الممثلات للحضارة الغربية يحتاج الى فهم فلسفي عميق يمكن لنظرية مالك بن نبي ان تسهم في تحصيل ذلك الفهم. يتلخص ذلك الطرح في ان الاختلاف بين الحضارتين ناتج عن اختلاف في ترتيب القيم فيهما. ففي الحضارة الغربية تتقدم قيمة الجمال على قيمة الالتزام الاخلاقي بينما تتقدم قيمة الالتزام الاخلاقي في الاسلام على قيمة الجمال. وأجد من الضروري ان أنبه منذ البدء الى ان مصطلح الحضارة الاسلامية يصف تلك الحضارة في أوجها وقمة التزامها بمبادئها. بينما ينطبق مصطلح الحضارة الغربية على واقعها الان بصفته افضل تجلياتها.
#كما انه من المهم ايضا ان أذكر بأن تقديم قيمة على قيمة في حضارة ما لا يلغي القيمة الاخرى بالكامل ولكن ذلك التفضيل يعمل عند تنازع القيم فتغلب القيمة الاولى على الثانية ان لم يكن من الممكن الجمع بينهما.
ويضرب بن نبي امثلة صارخة على صدق طروحاته. فيقرر ان تقديم قيمة الجمال على قيمة الالتزام الاخلاقي سمحت للحضارة الغربية ان تمثل المرأة عارية تماماً في النحت والرسم. كما سمحت ان تتنوع ازياء الملابس النسائية بغض النظر عما تكشفه من جسد المرأة طالما ان ذلك يكشف عن عناصر الجمال في جسدها. بينما لم يزدهر فن الرسم والنحت في المجتمع الاسلامي بسبب ان قيمة الالتزام الاخلاقي مقدمة على قيمة الجمال اذا حصل التنازع بينهما وكثيرا ما يحدث ذلك.
وسأترك الفيلسوف الجزائري قليلاً لأورد امثلتي وخاصة ما يتعلق بما يدور اليوم من سجال في المجتمع الاردني حول الاضاحي.
فالانسان منذ خُلق هو من آكلات اللحوم لا يختلف العربي عن الغربي ولا المسيحي عن المسلم. فلماذا اذاً كل هذه الضجة على الاضاحي ولماذا يلجأ مقلدو الحضارة الغربية في مجتمعنا للنفاق وترك الانطباع انهم نباتيون اكثر من الارانب؟ ومن اذاً يأكل كل هذه الحيوانات في الغرب ولماذا تصدر الدول الغربية الماشية للشعوب (المتوحشة) آكلة اللحوم؟
هنا أقول إن الفرق بيننا وبينهم هو في ترتيب القيم كما قرر بن نبي وحيث ان قيم الجمال عندهم مقدمة على القيم الاخلاقية فإن منظر الدماء وبيئة الذبح تتنافى مع هذه القيم. ولو أن الذبح تم خنقاً ودون تلويث للبيئة لما حصل اي اعتراض. كما إن الاعتراض على قتل المجرمين المدانين بالسيف جريمة لا تغتفر بينما قتله على الكرسي الكهربائي او في غرف الغاز او بالسم أمر لا حرج فيه بغض النظر عن حقيقة أي الطريقتين تسبب ألاماً أكثر للمحكوم عليه بالموت . كما ان قتل طفل او شيخ او مرأة في المشرق يمثل خبراً عاجلاً مجلجلاً بينما تدمير مدينة كاملة مثل الفالوجة والموصل على رؤوس سكانها دون ان تظهرها كمرات الصحافيين وشاشات التلفزة امر لا يكاد يسمع له صدى. فالمدينة المدمرة صامتة واهلها صامتون بينما جريمة قتل طفل واحد يقوم لها الغرب ولا يقعد.
لقد بالغ الغرب في تقديم قيم الجمال على قيم الالتزام الاخلاقي الى درجة انه قبل ايام تم فرض غرامات على بعض لاعبات كرة الماء لأنهن لعبن بالشورتات بدل البكيني. كما بالغ المتشددون الاسلاميون في تشويه شكل لباس المرأة كما رأينا في داعش وطالبان.

اقرأ أيضاً:   عن السلطة الفلسطينية وبيض المفاوضات الحائض

مثال آخر على تباين القيم بين الحضارتين الا وهو نظافة المدن. فبينما يعتبر الغربي ان مدينته ودولته مهمين مثل بيته تماماً ويحرص على نظافتها نراه يلوث كل العالم بالمخلفات الصناعية بل ويلقي بنفاياته الخطرة في اراضي العالم الثالث. فحقق بذلك قيم الجمال بقدر المستطاع وضحى بقيم الاخلاق بلا تردد. بينما يرى المسلم الملتزم ان بيته وشارعه ومدينته ودولته وعموم الارض بكافة مواردها من غابات وانهار وبحار أمانة عنده لا يجوز له الاسراف في استعمالها او هدرها.
وختاماً فإن نظرية مالك بن نبي تفسر جانبا مهماً من الفروق بين الحضارتين وتبقى هناك جوانب اخرى تحتاج الى رؤية أوسع لا مجال لذكرها هنا.
يُسمح بالاقتباس والتضمين بالاشارة للمصدر
الدكتور عبدالله عامر البركات
[email protected]

اقرأ أيضاً:   نصب تذكاري للخونة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى