برزخ المعاقين .. هُدوء العاصفة (2 )

#برزخ #المعاقين
هُدوء #العاصفة (2 )

كانت أُمُّ عُمَر قَمريّة الوجه في ثَنْياتها نَمَشٌ يُشبه نَقْشَ الفراشات، ضامِرَة البطن، مَشْدودة القَوام، اختطفها أبو اسماعيل عُنْوْةً ذات غفلةٍ من والديها، قَبِلَتْ به طفلةً لا تعرف كيف تَحُطُّ بِجناحيها على عَذْب الزهور.
زَرَعَ فيها العَوَق حين كان يضرِبُها بِحُجّة مِلْحٍ زائدٍ على الطعام أو رزّ شائط.
عاقَبَهُ القَدَر بِفشلٍ كَلَوِيّ أقعَدَهُ طريحاً بعد أن عاقبها بِعُمَر الذي دأَبَ على تعييرها به بعبارات الانتقاص؛ ما أشَدّ شبه عمر بِأُمّه! ليتني سمعتُ كلام أمّي حين خطبت لي جارتنا فاطمة، كان شعرها يَسُدُّ أُفُقَ الشمس.
راحت أُمُّ عمر تمسح عينيها ووجناتها بعدَ أن أفاقت من مخاضها وهي تصرخ آهٍ يا عمر يا وجعي ونزفي، كنت ُ أتركُهُ من العاشرة صباحاً حتى مغيب الشمس وأُعِدُّ له طعاماً وزجاجة حليب على عربةٍ مهترئة وأتركُهُ مع أخته ذات الأربعة أعوام وأستودعهم الله، وحين أرجع البيت أجدُهُ نائماً بعد أن يُعارك النعاسَ والوحشة وغياب حَناني، ليس بمقدوري إلّاأن أتركهُ وحيداً أو أن نجوع أو نأكلَ من أجسادنا.
كان أبو اسماعيل يجترّني ويُلَقّبُني بِأُمّ عمر، كان يصرخُ ويضربُ على وجهه، لم يكن كذلك كان حانياً أوّل الأمروبعد أن أرهقتهُ العلاجات والفحوصات المخبرية ومراكز التأهيل بدأ يُكشّر على أنيابه.
كان يتمنّى له الموت، كم مرّة فتحٍ له باب البيت من الطابق الخامس ليتخلّص من أنينه ليلاً، أَقْسَمَ ألّا يجلس بصحبته في مكان، أَقْسَمَ ألّا يذكر اسمه أمام أحدٍ لأنه يجلُب العار.
كانت أمُّ عبد الرحمن تَرقَبُها وتسمع كلامها، إذ وَفَدَتْ مع نساءِ الحيّ لِتَعزيَتِها في عُمر، وقد تجرّعت ألَمَ الفراق قبلها بعبد الرحمن غَرَقاً ببركةِ ماءٍ في مستنقعات الغَور اللّعينة.
كم مرّة حذَرتُه ألّا يقربها، كان لسانُه ثقيلاً، كان يحلُمُ أن يُصبح سائقاً على جسر الملك حسين ينقُل الرّكاب، كان يقفُ لأخواته حارساً يمنعهنّ أن يخرجْن، يرفض أن أعمل في البيوت مُستأجرة، يقول: “عندما أتْبَل وأَتيْب مسالي وأستَليلِك بيت بِيل” وراحت تذبُلُ شيئاً فَشيئاً وهي تُتَرْجِمُ وتَتَرَحّم عليه وتُكرّر بلسانها عباراته المعوَجّة: “عندما أكبر وأجيب مصاري وأشتريلك بيت كبير”.
أغوَتهُ شياطين الغور المشؤومة وهيّأت له حورياتٍ يَسبَحن في مستنقعات تتعَفّف الضفادع عنها، ألقى بِجسده الذي ارتطم بِصخرة صغيرة سُرعان ما تسبّبت له بِنزفٍ واسع أفَقَدَه سمعَه وبصره وحركتَه، عاشَ أسبوعاً لم يُفارق حُضني وابتسامتي وكان يهمس في أذني سَأراكِ هناك، وسَأُخبر الله عنكِ وعن بيتنا الصغير وأُحضِرُ عربة لِأبي لينقل عليها الموز وأرضاً يزرعُها تأويهِ بعد ان شابَ شعرُه، ولَن تضطرّي لأخذِ النقودِ من جارتنا لعلاج لِساني الثقيل، سَأُخبِرُ الله عنكِ وعنهُ، ذات مساءٍ حين رُحتِ تبكين عندما وصلتِ مُتأخرةً لِعلاج نُطقي المُتًعثّر لِعشر دقائق وأخَذَ حِسابها كاملةً رَجلٌ بَديْن كثّ الشعر، وقُلْتِ راجيةً أنّكِ استدنتِ مبلغ العلاج من جارتنا سعدية فقال لا شأنَ لي.
الحمدُ لله الذي قادنا إلى طبيبٍ يخاف الله لم يتقاضَ أجراً، كان يُحِبُّ عبد الرحمن كَوَلَده، إيّاك أن تُزعِج أُمّكَ أو أخواتك، سَأُحضر لك الآي باد كُلّما سمعتَ كلام أُمّك وانْتَبَهْتَ لِعباراتِك من العَوَج.
راحَتْ أمُّ عبد الرحمن تَهذِي بين جمعٍ من النساء على صوت أذانِ العَصْر: كان يُحبُّ جمال أو الدكتورجيمي كما يُسمّيه أكثر من أبيه، كان كُلّما أقلقني أو أضجَرَ أُخواته اتصلتُ بِه فَهدّأهُ بكلمتين لا ثالثَ لهما.
وعلى حينِ صحوةٍ فَاحتْ ريحٌ خفيفة……. وصوتُ حذاءٍ بارزِ المؤخّرة لهُ إيقاعٌ نَتِنْ، جَهَرتْ صاحِبتُهُ بعد ان تَبَجّحتْ بِقسوةٍ وقالت: أمّا أنا فَطلّقته وتركتُ له إبنةً مِعوّجة الظهر في عمرِ الستة أشهر، تركتُها قبل أن تُتْلِفَ جمالي ويترهّلَ صدري وشفَتَيّ المُكتَنِزَتين….. تركتُها لله ولهُ وللشيطان.
أثناءَ حديث ذات الصدر السِيليِكونيّ وضَعتْ أمُّ عبد الرحمن ذات الكلْمينِ في قلبها وخاصرتها، وضعتْ يدها في مكانٍ تَتَوجّسُ منهُ الحاضِرات وحرّكتْ خِرْقةً مِعوجّة واخرجتها فانحبستْ أنفاسُ أم عُمر صاحبةِ بيتِ العزاء خشيةَ ان يُمَسَ حياءُ المُعزيات، وإذ بها تُخرجُ بقايا ملابسُ عبد الرحمن التي كان يرتديها تحت قميصهِ قبل غرقهِ في البركة الملعونة…… طرّزتها ورَبَطتها قُرْبَ بطنه أملاً أن تُحِسّ بنبضه كما لو كان جنيناً.
تنفّست الحاضراتُ انفراجاً وحينها بَصَقَتْ جارةُ أم عُمرسعدية قُربَ ذات الكعب الفاجر وعلى وجهها ابتسامات.

اقرأ أيضاً:   ماذا حدث بالقاهرة سنة 88…الجزء الأول
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى