الاصابات
746٬480
الوفيات
9٬662
قيد العلاج
6٬633
الحالات الحرجة
470
عدد المتعافين
730٬185

“اهلا حكيم!”

“اهلا حكيم!”
د. محمد شواقفة

كان أهل القرية يلجأون في كل مصاب لذلك العجوز الضرير في بيته المتواضع ليطلبوا منه الحكمة و المشورة في كل ما يلم بهم من صنوف الدهر و أنوائه. لم يكن يناله منهم شئ الا ان الجميع كان يكن له احتراما و تقديرا لسداد رأيه و صواب مشورته. و كانوا يرسلون ابناءهم اليه ليعلمهم بعضا من ادب و حكمة و دين.
نزل في أرض قريتهم نجار من بلدة بعيدة، كانوا يمرون من أمام متجره و يرونه يجمع الاخشاب و يعمل على تشكيلها أسرة و كراسي و طاولات و لكنهم لم يكونوا قد شاهدوا هذه الامور من قبل و كذلك حكيمهم كونه ضرير و كونه لم يغادر القرية منذ ولد فيها. لم يفهم النجار لماذا يصر الجميع على زيارة الحكيم و يرسلون ابناءهم اليه مقابل احر زهيد و لا أحد يقترب من متجره مهما فعل و دخل الشك الى قلبه بأنه قد يكون الحكيم هو من يمنعهم من شراء ما يصنع.
أخبر الناس أنه سيهدي من يشاء أي من مقتنياته و دون مقابل و بدأ الناس بالفعل يتهافتون على المتجر يستكشفون ماهية هذه الاشياء البسيطة و لكنهم لم ينقطعوا عن زيارة الحكيم ولا هم توقفوا عن ارسال فلذات اكبادهم اليه.
توالت الايام تترى و اعتاد الناس على النوم على الاسرة و الجلوس على المقاعد و استخدام الطاولات و بدأ الناس يطلبون المزيد من النجار و لكنه تحجج لهم بأنه لا يستطيع ان يمنحهم ذلك دون مقابل، فقالوا له ولكننا لا نملك مالا نعطيه لك. قال لهم :بل تملكون! لماذا تمنحون ذلك الحكيم من اموالكم و هو لا يفيدكم بأي شئ وأنا أتعب و أشقى لتسهيل أمور حياتكم وها انتم ترون ان باب بيتي “مخلوعا”.
بالفعل تناقصت أعداد مرتادي بيت الحكيم و منهم من قاطعه بدون سبب و بدأ الكثير يتردد على متجر النجار و رويدا رويدا اختفى دور الحكيم من القرية الا من دروس الصغار و صار جل اهتمامهم النجار.
اقترح النجار عليهم ان يتوقفوا عن ارسال ابنائهم الى دروس الحكيم و اقترح عليهم ان يتولى تدريب ابنائهم عل اعمال النجارة كمهنة للمستقبل تجعلهم اكثر فائدة من تعلم الادب و الشعر و الفلسفة.
بالفعل بات النجار هو سيد القرية بما يصنع و امتلك كل مفاتيح بيوتها بتدريب الصغار بعيدا عن الحكيم رغم ان بابه لا يزال مخلوعا .
اقنع النجار تلاميذه بأن سبب تأخر القرية و تخلفها هو بسبب أفكار الحكيم الفلسفية التي تجعلهم أسرى العادات و التقاليد البالية. فمفهوم ان كل الناس شركاء في كل شئ ليس عادلا بالنسبة لهم كشبان اكتسبوا حرفة و باتوا أفضل من الجميع، و بأن احترام الكبار قانون يحظر كسره ليس له ما يبرره و بأن التشاور في كل الامور صغيرها و كبيرها مضيعة للوقت و خسارة لطاقات الشباب.
اقنع الشبان اهل القرية بان الحكيم كان يبيعهم طوال عمرهم الوهم و التخلف. هاجموا بيته و احرقوه و لم ينج من حطام بيته سوى يافطة كتب عليها “بيت الحكيم” حملها طفل صغير و ذهب بها لبيت النجار و وضعها على باب بيته المخلوع ليصبح بيت الحكيم الجديد.

اقرأ أيضاً:   البنات وسيارة الغاز

“دبوس على الحكمة”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى