اليوم العالمي للكتاب / تسابيح ارشيد

#سواليف

#اليوم_العالمي_للكتاب

كتبت .. تسابيح ارشيد

يتربع #الكتاب على عرش المعرفة الإنسانية الراسخة ، تلك #المعرفة التي تختزن حياة البشر وثقافتهم، فالكتاب جمع بين دفتيه الإنجازات والإنفجارات المعرفية ، وحفل بالذاكرة البشرية على نحو بات معه يشكل كيان البشرية الفكري الذي لا يمكن أن تتجاوزه أي أمة في نهضتها وقيامتها الحضارية.

مقالات ذات صلة

ويشكل الاحتفال باليوم العالمي للكتاب حدثا مهما على أكثر من مستوى، ونرى من الاهمية بمكان أن نشير الى أن الحالة الفكرية المعاصرة التي تتناول الوضع العربي الراهن ليست على ما يرام، فكثير من جوانب الطرح الفكري التي تناولت هذا الوضع أصابها الحيرة واختلط عليها امر هذه الامة التي كانت في طليعة الامم الحضارية لمدة ثمانية قرون وانكفات بفعل عوامل عديدة لا مجال لسردها في هذا المقام.

الحاجة ملحة على ما يبدو لإيجاد حالة من التثقف العام تنعكس إيجابا على الواقع العربي تحديدا،والنهضة عموما لا تنشأ من منطق اعتباطي ، ولكنها تكون وليدة مخاض فكري تترتب عليه نتائج تطبيقية. فنحن لم نشاهد من خلال التاريخ نهضة حياتية إلا وقد سبقها تيارات فكرية تخوض جدلا واسعا حول النموذج الامثل للحياة المدنيّة. وهذا الجدل الفكري أظهر الكثير من الكتب للجمهور، التي انتشرت وأصبحت نمطا عاما ولّد التغيّر نحو الأفضل.

وجدنا مع عصر النهضة الحديث في عالمنا العربي محاولة لكسر ذلك الجمود الذي ساد مجتمعاتنا فترة طويلة من الزمن ، فقد لعب رواد النهضة من المفكرين العرب دورا هاما وشكلوا حالة أرادت بعث الحياة مرة أخرى في تراثنا الذي ناله ما ناله من تجاهل ونسيان مقصودين، فقد اسهم مفكرو النهضة من العرب مسلمين ومسيحيين من إحداث نوع من الاختراق الكبير وحفروا عميقا في الحالة التي وصل لها العالم العربي في ظل التناقض الناشئ عن صعود الغرب ونكوص الشرق. ومن ينسى رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وغيرهم. ولعل هؤلاء شكلوا الأساس الذي بنى عليه المفكرون والمصلحون المعاصرون طروحاتهم ومشروعاتهم الفكرية. هذه الحالة رفعت من شان الكتب والتأليف في موضوعات تهمّ السياق الثقافي للأمة وشخصيتها وموقعها بين الامم وغنى مفرداتها الحضارية واكتناز تراثها بمقومات تجعلها قادة على النهوض عندما تتحقق شروط موضوعية لذلك.

    تزخر المكتبات العربية الحالية بالمؤلفات العربية في مختلف الحقول المعرفية، وعلى الرغم من التحديات التي يعاني منها الكتاب نتيجة السيل المعرفي القادم من خلال وسئائل التواصل الحديثة والمواقع الالكترونية المتنوعة، إلا ان الكتاب كان ومازال وسيبقى هو الام الحاضنة لتلك المعارف جميعها دون شك.ومن هنا فإن

مسؤولية الدولة كبيرة في تعزيز الإنتاج المعرفي من خلال دعم الكتاب الذي هو واجب وطني، بل واجب قومي وبالمحصلة إنساني،حيث ان هناك أدوارا مهمة للدول التي ترى مسؤوليتها في الحفاظ على هويتها الحضارية وتعزيز حضور شخصيتها الثقافية، ومن هنا نرى التأكيد على دور المؤسسات برمتها في دعم الكتاب وصناعته، لأن الكتب بالنهاية يعكس روح الامة وشخصيتها الثقافية، واهتمام الدولة بهذا المنحى سيكون حافزا للمجتمع على إعادة النظر في اقصاء الكتاب وتجاهله من منطلق انه لا يعني سوى بعض النخب ،فالدول مسؤولة عن تحقيق البعد الشامل لمفهوم الثقافة بوصفه من روافع التنمية وإبجدياتها ،والأمم تتقدم بانتاج العلم والكتب ولا تتقدم باستيرادهما.

    إن التحديات التي تواجه مجتمعاتنا العربية كثيرة، وقوية، وربما أبعدتنا نوعا ما عن الظاهرة الفكرية العالمية ،ولكننا في الوقت ذاته استطعنا إيجاد خصوصيات فكرية عربية حديثة و معاصرة. نعم يظهر في هذه الخصوصيات التعارض من حيث النظر الى تراثنا  وواقعنا أو ماضينا وحاضرنا،إلا أنها أدت الى ظهور كتب كثيرة عن علاقتنا بالتراث وعن حياتنا في الوقت الحاضر، فبعضها يرى وجوب الإتصال بالتراث وبعضها يرى وجوب القطيعة معه، وهذا الجدل الفكري أحضر الكتب التراثية بقوة الى الحاضر، واخرجها الى المطابع والمكتبات،وصار الكثير منها متاحا بعد ان كان مخطوطا على رفوف المكتبات الخاصة ،فوفر ذلك مادة غنية للباحثين، وفي ذات الوقت آل هذا الجدل الى كثرة الكتب الفكرية المعاصرة، مما ادى الى امتزاج الماضي بالحاضر،فكريّا على الأقل،فلم تزل للكتاب العربي خصوصية في هذا الوجه.

لكن من جهة اخرى، نجد ان الكتب العلمية العربية بحاجة الى شيء من الاصالة والابتكار،وهذا لا يتم الا بعد دعم لغتنا العربية لتواكب الحركة العلمية العالمية سريعة التقدم. وهذا كما أشرنا سابقا بحاجة الى العمل المؤسساتي الدؤوب في اكثر من ميدان،كالعلوم، والترجمة، وتحديث اللغة،أو إعادة قوتها في النفوس لتصبح صالحة للدلالة على العلوم المعاصرة.

وإذا ما تمّ هذا المطلب، صار الكتاب العلمي العربي محط أنظار كافة أفراد المجتمع. ولنا ان نتصور كيف سيكون واقعنا العربي في حال صارت العلوم العربية برمتها متاحة في الكتاب العربي وبأصالة عربية.

لا شك أن ذلك سيعقبه استعداد لتطور حقيقي متى ما امكننا الخروج من التحديات التي تحيط بمجتمعاتنا العربية، حينئذ ستنعكس هذه الكتب الفكرية والعلمية الاصيلة على المجتمع العربي بأسره بحالة من العلمية والتثقف العام.

وبمناسبة اليوم العالمي للكتاب نغتنم هذه الفرصة السنوية الذهبية لنؤكد على أن نهضتنا الحقيقية وخروجنا من الازمة الفكرية التي نعاني منها  ستكون من خلال الدعم الحقيقي للكاتب والكتاب ،خاصة تلك الكتب التي يخدم تأليفها هوية امتنا وشخصيتها الثقافية الغنية، ونرى ان مسؤولية الدولة والمسؤولية المجتمعية مهمة في هذا المجال لإتاحة هذه النتاجات المعرفية لكافة شرائح المجتمع على اختلاف مستوياته. فالكتاب والثقافة المستنيرة متلازمان،وهما السبيل الرئيس لتحقيق الهوية الجامعة لافراد المجتمع.

Tasabeeh_irshaid@yahoo.com

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى