المواطن ضحيَّة سياسة الطاقة الخاطِئة

المواطن ضحيَّة سياسة الطاقة الخاطِئة
سلامة الدرعاوي

قرار الحكومة باستيراد ديزل مُختلف للمواصفة الأردنيّة يُشكّل ضربة قاسية لمشروع التوسعة الرابع لمصفاة البترول الأردنية الذي تُقدّر كُلّفته بأكثر من 1.7 مليار دينار

مَوضوع الطاقة في الأردن بِكُلّ أبعاده يُشكّل أكبر تحدّي أمام اِستقرار الاقتصاد الوطنيّ بشكلٍ عام، والأمن المعيشي للمواطنّ بِصِفة خاصة، فهو يدفع على الدوام ثمن الإدارة الخاطِئة لِمَلف الطاقة في البلاد، وتتحمّل جيوبه وإيرادات القطاع الخاص إجراءات وزارة الطاقة التي للأسف كانت تُشكّل عبئاً إضافيّاً على المواطنين والذين لم يتلمسوا أيّ فائدة تعود عليهم من سياسة وزارة الطاقة فيما يتعلق بالتَعرِفة أو بنوعيّة المنتجات التي يحصل عليها، والأمثلة عديدة سنورد بعضها.

اليوم سَمَحت وزارة الطاقة للشركات التسويقيّة بِاستيراد ديزل عاليّ التركيب المُخالف للمواصفة الأردنيّة، وهذا يُشكّل مُخالفة صريحة ومساهمة واضحة نحو تعميق التسوّق في قطاع المحروقات الذي تعرض لِهزة كبيرة قبل اشهر عندما اتخذت الوزارة قرار بالسماح للشركات التسويقيّة باستيراد الوقود، مما دفع بشركتين لِاستيراد شحنة وقود مطعمة بمادة الحديد، وقد احدث هذا الأمر إرباكاً كبيراً في حركة المركبات العاملة بالمملكة بعد تعطلّها نتيجة وجود مادة الحديد في الوقود.

حينها كانَ من المفترض أن تقوم وزارة الطاقة بتقييم هذه التجربة السيئة التي ألحقت ضرراً كبيراً بالمستهلكين، وأن تُعيد النظر بقرارها وأن تعمل على تصويب سياستها وإجراءاتها بهذا الأمر، لإعادة التوازن للسوق وحماية المستهلك من تغوّل بعض الشركات مُستغلة الاختلالات الموجودة بالسياسات والإجراءات والمواصفات، لكنها للأسف وكأن شيئا لم يحدث، مما جعل المواطن يقيم الوضع بنفسه بعيداً عن السياسة الرسميّة من خلال تعزيز ثِقته بمنشآته الوطنيّة الأصيلة التي خدمته لعقود بأمان دون انقطاع وهي مصفاة البترول.

الكُلّ كان بانتظار مُراجعة لقرارات الحكومة بالسماح باستيراد الوقود وإعادة ضبطه وتنظيمه، إلا أن الجميع تفاجأ بقرار غريب هذه المرّة من الوزارة تسمح فيه للشركات التسويقيّة مرّة أخرى باستيراد ديزل مُخالف للمواصفة الأردنيّة علناً، يتضمن تركيز عاليّ من مادة الكبريت، في تصرف أثار دهشة المراقبين، وكيفية تعزيز مناورات الوزارة نحو تشويه القطاع والابتعاد عن مفهوم حماية المستهلك من جهة، ومخالفة المواصفات الرسميّة من جهة أخرى.

حجج الوزارة بالسماح باستيراد ديزل مُخالف كانت مغالطة للحقيقة مع كُلّ أسف، فبيانها الصحافي كان مُخالف للواقع وبعيداً عن مصلحة المُستهلك، فهي تتذرع بالسماح باستيراد ديزل مُخالف للمواصفة الأردنيّة بأن شركة مصفاة البترول الأردنيّة كانت في بعض الأحيان تستورد ديزل من هذا الصنف المخالف، ومنتجها الحالي يتضمن نسبة عالية من الكبريت، وتحت هذا البند لا بد من خلق أجواء تنافسيّة عادلة في سوق المشتقات النفطيّة بالسماح باستيراد ديزل مُخالف للمواصفة الأردنيّة، مغالطات لوزارة متعددة، فالمصفاة لم يسبق لها أن استوردت ديزل مُخالف للمواصفة الأردنية، بالعكس كانت جميع عطاءاتها في الاستيراد تحت مظلة المواصفة الرسميّة، وكانت تستورد ديزل اليورو5 -عالي الجودة- وهذا مثبت رسميّاً لدى مؤسسة المواصفات والمقاييس، والحُكومة تعلم ذلك.

أما بخصوص مُنتج المصفاة الحالي من الديزل والذي يتضمن تركيزاً عاليا من الكبريت، فهذا الاستثناء الذي حصلت عليه المصفاة ليس منّة من الحكومة عليها، وإنّما هو أمر طبيعيّ ناتج عن عدة أسباب منطقيّة، أهمها: العلاقة التاريخيّة والسيطرة الرسميّة على الشركة وأعمالها لأكثر من خمسة عقود بحكم قانون الامتياز والتفاهمات التي بين الحكومة والمصفاة، والتي كان من المفترض أن تقوم الحُكومة وقتها بواجباتها في تحديث مصافي الشركة والاستثمار فيها للنهوض بنوعيّة مُنتجها من الديزل، هذا من جهة.

من جهة أخرى، لم تُساعد الحُكومة المصفاة في الفترات الماضيّة بسداد مديونيتها على الشركة التي تقترب من الـ 600 مليون دينار، وهو الذي شكّل عائقاً كبيراً أمام الشركة في تحديث منشآتها، ورغم ذلك وبكوادرها الذاتية استطاعت الشركة النهوض بجميع مرافق المصفاة الصناعيّة والتحريريّة وتحديث غالبية وحداتها خاصة فيما يتعلق بوحدات تكرير الديزل بإضافة وحدات حديثة بِكُلّف تجاوزت الـ 18 مليون يورو، ومع كُلّ ذلك المصفاة مستمرة في التطوير والتحديث وتلبية كافة احتياجات المستهلك دون انقطاع تحت كافة الظروف المُختلفة.

قرار الحكومة باستيراد ديزل مُختلف للمواصفة الأردنيّة يُشكّل ضربة قاسية لمشروع التوسعة الرابع لمصفاة البترول الأردنية الذي تُقدّر كُلّفته بأكثر من 1.7 مليار دينار، شاملاً تحديثات تكريريّة تضمن انتاج أفضل المنتجات والمشتقات النفطيّة بأعلى المواصفات، فكيف للحكومة أن تستمر بهذا التوجّه المُخالف للقانون، وتسمح باستيراد ديزل لا يتناسب مع الموافقة التي أقرتها الحكومة بذاتها، والأخطر من ذلك كُلّه، أنها تسمح لمنتجات استهلاكيّة مُخالفة أن تدخل الأسواق وتكون متاحة للمستهلكين بمرأى ومسمع منها، وبشكل علنيّ مُخالف للقانون والمواصفة الأردنيّة.

[email protected]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى