المنسف الأردني كهوية هل تراجعت مكانته أمام صاجية المناسبات..؟

#المنسف #الأردني كهوية هل تراجعت مكانته أمام صاجية المناسبات..؟
أ.د حسين محادين *

(1)
التغني والغزل والاعتزاز في المنسف الأردني كمنظومة غذائية وتنظيمية التربية ودلالات الجلوس حوله، وكلها #معايير #أردنية مُتفق عليها غالبا، بما في ذلك مكونات المنسف الطبيعية نفسها؛ حيث كانت ومازالت، ملمحاً بارزاً من احاديث و #هوية #الأردنيين، وحتى العرب والاجانب اثناء ذِكرهم او زياراتهم للأردن عموما:-
يتسألون عادة؛ هل هذا المنسف طُبخ ؛ بلحم بلدي، جميد كركي، وغُطيّ بخبز الصاج البلدي، ما نوعية “نَفسَ” الطبخ عند المعزبه والمعزب معاً، لأنهما يمكن ان يطبخاه دون غيره من الاطعمة وحسب نوعية المناسبات ، فالمنسف الاردني فقط عند الولائم الكبيرة مثلاً وبوجود الضيوف الاخيار يُفضل ويتفرد الرجال عادة بطبخه دون النساء، رغم انهم عادة لايطبخون داخل بيوتهم في الايام العادة عموما، وهذه مِيزة بحاجة لدراسة اجتماعية وثقافية مستقلة لاحقا..اعرف لماذا لكن ليس هنا مجال ذِكرها .
(2)
المنسف يتمتع بمكانة غذائية واجتماعية وثقافية طاغية عند الاردنيين ، افكارا،توقعات وحضورا في الوجدان الشعبي الاردني وبمكانة عالية وآسرة، سواء في الاتراح او الافراح او عند الصُلحات، وفي المناسبات الدينية والوطنية المهيبة، كما أن معانيه غنية، وتصنيفاته التفضيلية كثيرة مثل ، منسف لحم او دجاج، منسف عزاء ام منسف فرح،حجم ونوعية اللحم بلدي وهو الاميز عن غيره، كيفية تقطيع وحجم اللحم وتقديمه مع رأس الذبيحة واقفا في الافراح ، ام منكساً في الاتراح وكلها ذات معاني ودلالات رمزية وثقافية هامة جدا خصوصا لدى اهلنا في البادية والريف .
( 3)
لغايات اظهار التراتب الاجتماعي بين مكانة الضيوف ومتناولي المنسف بأنواعهم، شيوخ، عاديين، مجبرين، مراريّ طريق عابرين بالصدفة…الخ ، ودرجات تأثير كل منهم افراد او عشائر في وعند الرأي العام، وبالتالي يُقال ويُنظم طبخ وتقديم المنسف عند المعازيب وفقاً لمؤشرات وتعبيرات دلالالية صارمة ومعروفة ايضا “فلان ضيف لحم ، فلان ذبيحته على المفصِل، اي انه شبعان/مُتخم من عند اهله قبلاً اي انه “ثري،غانم، وجه جماعته” لكن هذا واجبه علينا كشيخ حقيقي وكضيف.
(4)
لحم خروف أم جدي المنسف..رز ام عيش ام كلاهما..؟
ولكل منها مزياه وايحاءاته ، ومبررات اجتماعية لإختياره حسب نوعية ومكانة هؤلاء الضيوف الذين سيأكلون هذا المنسف او ذاك.
( 5)
وبالضد منا سبق, والسعي الضمني والمسكوت عنه لدحر المنسف كهوية اردنية بكل معانيها الحضارية، بدأت ألحظ علميا من خلال الملاحظة بالمعايشة كما في لغة ومنهج علم الانسان
“الانثروبولوجيا” انه وفي بعض المناسبات الكبيرة داخل مجتمعنا الأردني اخذ يظهر ان هناك نزوعا لتقديم وجبة الصاجية” قطع لحم صغيرة، بندورة ،بصل، خبز شراك مع مقبلات” عِوضا عن تقديم المناسف بأنواعها التي ذكرت باعلاه.
ربما السبب الرئيس هو الاقتصاد ، لأن تكلفة الصاجيات تقل 60%عن تكلفة المنسف، وهذا مبرر احيانا من ناحية مالية، وربما ايضا طبيعة التحولات الاقتصادية “ثقافة الرقم” والثقافية التي يمر بها مجتمعنا من ارتفاع تكاليف الحياة، وتخلي الاجيال الحالية عن الكثير من عاداتنا وتقاليدنا التاريخية الواجب تحصينها، وانحيازهم نحو كشباب “التحديث” وربما التغيير..الخ.

اقرأ أيضاً:   أيها الشعب هل أصبحنا في دولة بلا شعب؟

اخيرا..اود التأكيد علماً وهوية ناضجة يجب الحفاظ على ديمومتها بأن المنسف -لا اقصد بالتأكيد المنسف القزم بالكاسة – فالمنسف الاردني الناجز قد تجاوز حدوه وبامتداده كطعام عبر الاجيال تاريخيا، أذ استقر كأبرز جوامع الوجدان الشعبي الموحد كطريقة حياة نحو اهمية الحفاظ عليه، فهو الهوية المميزة للتقاليد الأردنية العابرة للثقافات الفرعية في مجتمعنا والتي اخذت تغزوها للاسف سلوكات مهددة لطبائعنا وجوامعنا الغذائية والثقافية سواء المادة وغير المادية معا ؛ واتمنى الا تسرق اهميته الثقافية وحتى السياسية للاردنيين بالتدريج كما يحاول الإسرائيليين المحتليين انتزاع هوية وتقاليد اطعمة وتراث اهلنا بفلسطين المحتلة ونسبِها زورا لهم…فماذا نحن فاعلين كأردنيين افراد ومؤسسات ثقافية واعلامية بخصوص منسفنا الجامع لهويتنا الغذائية والسياسية معا عبر التاريخ..؟.
*قسم علم الاجتماع-جامعة مؤتة.

اقرأ أيضاً:   كشف الزيف
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى