الاصابات
744٬844
الوفيات
9٬622
قيد العلاج
6٬956
الحالات الحرجة
540
عدد المتعافين
728٬266

الفصل بين الدين والدوله / د. هاشم غرايبه

تكاد الفكرة القائلة أن العلمانية كانت وراء الثورة التقنية في أوروبا ، تكاد هذه الفكرة أن تصل لدرجة اليقين عند كثيرين ، لم يكن السبب لتلك الحالة اليقينية إثبات علمي أو تعليل منطقي ، بل هو الضخ الإعلامي الجائر لتعبئة عقول البشر بتلك الفرضية ، حيث أن معتنقي العلمانية يسيطرون على وسائل الإعلام بشكل مطبق . لو استعدنا التسلسل الزمني لصعود فكرة العلمانية مقارنة بالتمثيل البياني الصاعد للتطور العلمي والتقني ، نجد شيئا من التزامن ظاهريا ، لكن ذلك لا يعني القطع بأن ترابطهما عضوي . بدأت فكرة العلمانية في أوروبا كتمرد على احتكار رجال الكنيسة للفكر المعرفي من خلال اعتبار فكرتهم عن الكون والإنسان أنها مستمدة من الكتاب المقدس ، رغم أنه لا يوجد سند فيه لذلك الإدعاء ، فاضطهدوا العلماء والمفكرين بدءا من ” كوبرنيكس ” الذي قال عام 1543 بمركزية الشمس وليس بمركزية الأرض في الكون ( حسب الفكر اللاهوتي ) ، ولم يعرف إلا حديثا أنه أخذ هذه الفكرة عن العالم المسلم ” إبن الشاطر ” عندما وجدت مخطوطته ضمن مقتنيات كوبرنيكس وتاريخها أقدم بأربعة قرون . لم تستطع الكنيسة الحجر على أفكار أحد رغم حملات حرق الكتب وأشهرها مكتبة غرناطة التي حرق فيها ثمانية آلاف كتاب ، وظهر جاليليو ثم نيوتن ثم داروين ، لكن الضربة القاضية لسلطة الكنيسة كانت الثورة الفرنسية عام 1789 ، وبعدها أصبحت العلمانية منهجا في معظم أوروبا . في المقابل ، فإن التقدم العلمي – التقني نشأ مواكبا للثورة الصناعية ، والتي انطلقت من بريطانيا في أواخر القرن الثامن عشر وبدأت باكتشاف الآلة البخارية ، وكانت هذه الثورة متطلبا للرأسمالية الصناعية ، وبهدف المكننة للإستغناء عن اليد العاملة المُكْلفة ، وزيادة الإنتاج ، وكانت الحملات الإستكشافية ليست بدافع علمي ولا لنشر الحضارة بل البحث عن المصادر الطبيعية المجانية والأسواق التصديرية . لم تكن بريطانيا علمانية ، ومازالت إلى اليوم كذلك ، إذ تعتبر الملكة رئيسة الكنيسة الأنجليكانية .. إذن لا علاقة بين تقدم العلوم وفصل الدين عن الدولة ، فالفصل قضية تتعلق بوقف تدخل المؤسسة الدينية ( الكنيسة الكاثوليكية ) في القرارات السياسية ، لأن لها تاريخ غير مشرق في دعم الإقطاعيين والأباطرة في ربط إنصياع العامة لهذا التحالف المصلحي بالترغيب والترهيب باسم الله . بناء على ما سبق نصل الى إثبات الفرضية التي ابتدأنا بها الموضوع ، وهي أنه لا رابط بين فصل الدين عن الدولة والتقدم الذي حققه الغرب . ندخل الآن الى الفرضية الثانية ، والتي تقول أن سبب تأخرنا هو الربط بين الدين والسياسة ، أو بمعنى آخر الإسلام السياسي . سنبدأ أولا بالمبادئ المثالية : الدين هو تعليمات إلهية للبشر تتناول كل ما يحتاجونه للعيش بسعاده ، وتشمل كل مناحي الحياة الشخصية والمجتمعية والتعاون الأممي ، اعتمدت على مبدأ الإيمان بوجود الله ويوم الحساب ، كحافز بالثواب ورادع بالعقاب ، وبلا شك فإن الدافع الذاتي أقوى كثيرا وابلغ أثراً من اللجوء الى الردع بقوة السلطة . إذاً ، اذا قام النظام السياسي الذي ينتهج أسلوب الحكم الذي يختاره الشعب : سواء كان ملكيا أو جمهوريا أو غيرهما ، بالإلتزام بالمنهج الديني ، فإن ذلك يمثل النظام السياسي الأمثل . تبقى المشكلة في درجة البعد عن المثالية فقط ، بمعنى أن المسألة ترتبط في تطبيق نظام الحكم للشريعة ، أو في تعديل الدين ليوافق هوى الحاكم ، كما أن العوائق ليست في التشريعات ذاتها فهي إلهية تمثل الحكمة المطلقة ، قد لا تدرك جميع معانيها لقصور الفهم الإنساني لحكمتها في زمن ما ، لذا لا يُعتدُّ بتقييم البشر وحكمهم على صلاحيتها للتطبيق . عندما نقول الدين ، نقصد الدين النهائي الذي لم تكن مكتملة تشريعاته في مراحل سابقة ، عندما كانت تتنزل على أقوام محددين ، ولم يكن الأنبياء السابقون مكلفين بنشره لغير قومهم ، فقط كلف آخر الأنبياء محمد ( ص ) بنشره الى البشرية جمعاء ، بعد إذ اكتمل وأصبح مدونا في ( القرآن الكريم ) ، هو دين واحد إذ لم ترد كلمة “أديان ” في القرآن الكريم بل ورد : “شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ” (الشورى:13 ) ، وهو كلام الله الى البشر ، وقد تعهد الخالق بحفظه من أي تغيير أو تعديل على مر الزمان وتغير العصور ، وقد ثبت ذلك قطعيا ليثبت أنه كتاب الله حقا . هنا نصل إلى السؤال : طالما والأمر كذلك ، لماذا الإصرار على استبعاد تأثير الدين من حياة الناس ، بعد إذ أنه جاء ليتمم مكارم الأخلاق ، ويحقق العدالة الإجتماعية وحقوق الإنسان ؟ الإجابة تكمن في أن الصراع بين الحق والباطل قائم دائم ، ولولا دفع الناس بعضهم لبعض لفسدت الأرض ، ولهذا حكمة عميقة فالحق لا يقوى إلا بالصراع مع أعدائه ، ولا تتبين معادن الناس إلا بالإبتلاء . نستنتج في الخلاصة أن من يحاربون الإسلام السياسي ، هم يحاربون الإسلام أصلا ، ومن يقولون إن الإسلام معتقد فردي وليس نظام حياة ، هم يريدون تفريغه من محتواه وتحويله الى تراث إنساني وليس عقيدة إلهية . الإسلام ليس مجرد طقوس وشعائر تديرها وزارة أوقاف وشؤون دينية … إنه نظام سياسي اجتماعي اقتصادي متكامل ، ولا يمكن أن تتحق عدالة ولا سعادة بدونه .

اقرأ أيضاً:   العمر الافتراضي للدولة الدولة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. كلام جميل واعتقد ان طريقنا او طريق الاسلام نحو العالمية لا يمكن ان يتم الا بهذه العقول النيرة القادرة على ترجمة ان الاسلام صالح لكل زمان ومكان وان الفتوى في الاسلام ممكن ان تختلف من سنة الى سنة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى