“الصعود إلى الهاوية”

“الصعود إلى الهاوية”
د. حفظي اشتية
الكاتب المرموق خفيف الظل ” يوسف #غيشان ” ينتزع منا البسمة ونحن في لُجّة الألم، ويمطرنا بالحكمة في مقالاته الوجيزة المعطرة بالعظة والعبرة .
وأخر ما قرأته له مقالته عن #البطة #العرجاء، وأستميحه العذر في أن أستند إلى هذه الحكاية التراثية ذات المغزى العميق، وأعيد صياغتها بتصرف لتكون جسرا يحمل فكرتي في مقالتي.
إنها بطة عرجاء، طموحها المَرَضي أكبر كثيرا من إمكاناتها، دائمة النظر إلى صخرة عالية في المكان، شديدة الطموح إلى اعتلاء تلك الصخرة، والإشراف على الكون من عَلٍ، لكن إعاقاتها وقدرتها لا تؤهلها لذلك، فاستعانت بصديقها الثور الذي جمع لها القمامة المحيطة ووضعها بجانب الصخرة فاتخذتها سُلما صعدت به إلى الأعلى، وهناك نظرت إلى الأشياء تحتها فاستصغرتها، فورمت نفسها بالعظمة الزائفة، وفردت جناحيها، وعلا صياحها وضجيجها، فأغاظت صيادا لفتته جلبتها وضوضاؤها، فأرداها، فهوت إلى مكانها اللائق بها، ومحطها الذي تستحق .
وخلص كاتبنا إلى حكمته من مقالته : يمكن بالقذارة أن تصعد إلى أعلى وتحتل الصدارة، لكنك لن تمكث هناك طويلا .
ونحن نقول هنا إلى كل #مسؤول #عابث #ظالم :
لقد كنت تعلم جيدا أنك خائر القوى، هش الكفايات، هزيل الخبرات، وكانت الهوّة هائلة بين إمكاناتك الحقيقية وطموحاتك المَرَضية فَوجدت أنك في الظروف الطبيعية وضمن العدالة الوظيفية والمجتمعية لن تتمكن من الوصول لأنك كليل، ولن يتسنى لك الصعود لأنك هابط، فلجأتَ إلى كل الأساليب الرخيصة، والحيل الماكرة، والعلاقات الملوثة، والسلوكات المشينة، وهدتكَ قرون استشعارك التي ألِفت العفن إلى كل سبيل يبعدك عن النظافة . وفي غفلة من الزمن وجدتَ نفسكَ قد احتللتَ منصبا تعرف حقا وصدقا أنه كبير عليك، وتلفتَّ حولك فكان أكبر همك أن تُخلي المكان من كل عفٍّ نظيف، قوي أمين، سوي مستقيم، صادق شفيف، واضح صريح، وأحطت نفسك بمن يناسب مقاسك، ويلائم جبلّتك، يوافق طبعه طبعك، ومشربه مشربك، وأوهمتَ نفسك أن هذا هو الوسط الطبيعي الصحيح، فانتفخت بوهم الثقة، وخلا لك الجو، فرفعت عقيرتك تصيح، وتتلو علينا تراتيل الصدق والإخلاص والعدالة والانتماء وفن الإدارة…..إلخ، وتتغنى بكل ما تفتقر إليه، وتحاول إلزام غيرك بكل ما كنت لا تلتزم به :
كانت نتائج دراساتك كليلة، وشهاداتك العلمية هزيلة، وعلاقاتك مريبة، وأسئلتك معيبة، وعلاماتك معتلة، ومحاضراتك مختلة، وأبحاثك مسروقة أو مشتراة، أو مكتوبة عنك أو مستلة، ثم ارتقيت مرتقى وعرا وأنت صغير، فهلّا تنعم علينا بالسكوت!! فالصمت لمثلك فضيلة .
كنا مجموعة من الطلاب في مرحلة الدكتوراه، فتقدمنا إلى امتحان لمادة يدرسها أستاذنا العظيم أطال الله في عمره ” نهاد الموسى ” . سلّمنا أوراق إجاباتنا، واستمر أحد زملائنا يكتب ويستزيد، ونحن ننتظر أن يسلّم إجابته لتبدأ المحاضرة، فضاق أستاذنا به ذرعا، وكان يعرف مستواه، فصاح به :” كفى يا فلان، لا تزدد نقصا “. فعجبنا كيف سالت عذوبة البيان على لسان عالم اللسانيات !!
فإلى كل مسؤول ظالم نقول : اصمت، ولا تزدد نقصا بالكلام . تكفينا مصيبتنا في أفعالك فلا تضاعفها علينا بأقوالك . واغنم زمانك الحالم، وانعم بزيفك الواهم، لكنك ستسقط طال الأمد أم قصر، والمسألة فعلا مسألة وقت :
ستسقط بعدالة السماء، أو بقوانين الأرض . كنت تخلد إلى النوم ولذيذ الأحلام طويلا، والمظلوم يسهر على القهر ويتقلب على الجمر . كنت تعتلي المنابر، وتتصدر الاجتماعات والمجالس تتحدث عن العدالة، والمظلوم يئن ويتألم ويناجي ربه الرحيم الذي لا يُهمل وإن أطال الإمهال .
ستسقط سقوطا مدويا لتنفضح سيئاتك، وتبدو سوءاتك .
ستسقط وظيفيا أو اجتماعيا أو أخلاقيا…..
قد تتعدد الأسباب لكن سيبقى سقوطك واحدا وواقعا .

اقرأ أيضاً:   طمع يبتلع الكون

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى