الشهيد محمد ياسين موسى الخضيرات

#الشهيد #محمد_ياسين_موسى_الخضيرات
د. حفظي اشتية
الخبر
مجموعة من الأشرار يحاولون تهريب السموم التي تفتك برئة الوطن تفاجئ أربعة من حرّاس الحدود برصاصات الغدر، فتخلّف شهيداً وجراحات.
المبتدأ
في ليلة زنّر بردُها الصحراء، فآوت كائناتها الحيّة كلٌّ إلى وكره وجحره، وكنا جميعاً في بيوتنا ننعم بالدفء والأمان، كان هذا الشاب النبيل وصحبه الشجعان يجوبون مسالك الحدود الخطرة، بعيون ذئاب لا تنام، وعقول يقظة تعي أنّ الخطر قد يطلّ عليهم في أيّة لحظة …. في جيب كلّ منهم بضعة دنانير، ومصحف صغير، وهاتف فيه صور الأحبة وبعض حكاياتهم.
كان بإمكان الشاب الشهيد وهو قائد المجموعة أنْ يلتمس أيّ عذر للتخلّف عن الواجب ويتوارى، فلا أحد يراقبه إلّا ربّ السماء ونجومها، إلّا أنّه حمل روحه على راحته، ومضى قُدماً للوفاء بمهمته، لم يفكر لحظة في التراجع، ولم يتردّد في الإقدام، والأسباب كثيرة، والنتيجة واحدة:
-إنّه الشهور الصادق بالانتماء وعِظم الأمانة وصعوبة المسؤولية وشرف الجندية، وخطورة التخاذل وما يترتب عليه من تسرّب وسائل الفتك بأغلى ما في الوطن.
-إنّه شرف الاسم والعائلة والقرية، فالاسم مسوّر بأسماء ثلاثة أنبياء، والعائلة أصيلة عتيقة تمتد من شمال البلاد إلى وسطها فجنوبها، وتتجاوز ذلك إلى فلسطين ومصر والسعودية، والقرية بخمسة آلاف نسمة، لكنّ تاريخها يضرب بعيداً في أحشاء الزمن ليمتدّ إلى أكثر من خمسة آلاف سنة: من العصر البرونزي إلى الحديدي إلى الهلنستي إلى الروماني إلى البيزنطي إلى الأموي إلى العباسي إلى المملوكي إلى العثماني إلى مملكة تحميها رموش العيون، والقرية صامدة عبر الزمن خيرها ظاهر عالق في اسمها المصون..
-لأنك رضعتَ الشرف مع لبان أمّك، فأنا أعرف جيداً البيئة التي نشأتَ فيها وترعرعت، فقبل خمسة وأربعين عاماً كنتُ مدرساً في إحدى القرى النائية في منطقتك، وائتلفنا مجموعة متلائمة من المعلمين من أماكن متعددة: أنا من نابلس، ومحمد النميرات من صمّا، ومحمود العلاونة من الطيبة، وسليم من بيت يافا، وزيد من المغيّر، والوقفي والشرايري من إربد…..إلخ.
لم يكن علينا رقيب إلّا الضمائر، علّمنا وربّينا، ونبغ من طلابنا أساتذة الجامعات، وعلماء أجلاء، وضباط جيش عظماء، تآخينا مع أهل القرية وعاينّا كيف يربّون أبناءهم من نتاج حقول الأرض الطاهرة قمحاً وعدساً وقِثّاءً، من ثمار الزيتون والتين والعنب، من الطيور ونعمة الأنعام في السِّعْن، لا يعرفون (الشاورما والبيتزا والهمبرغر)، وغاية أمانيهم أنْ يحظى ابنهم بوظيفة حكومية متواضعة، أو يكون جندياً ليصبح له مورد رزق ضئيل ثابت يردُّ عنه عوادي الفقر والعوز.
-أنت، يا محمد، من هذا الغرس الطاهر، ومؤكّد أنك لهوت مع أترابك في تلّة دير السّعنة بنت الدهور، وقرأت صفحات التاريخ الناصعة في الآثار وقطع الفخّار، وتجوّلت في حرش برسينيا، وصلّيت في مسجد علي بن أبي طالب الذي يعود إلى عهد المماليك، لم تنقطع فيه صلاة واحدة منذ ستة قرون، ووقفت على التلال المنيفة بين دير السّعنة وبيت يافا، تنظر في كلّ اتجاه فلا ترى إلّا الجمال، ولا تشتمّ إلّا عبق العراقة:
بلدات تسبح في بحر من الخضرة والشجر المعمّر: الطيبة “عفرا الأمان”، وأبسر وصمّا وزبدة ومخربة وكفر يوبا….. وتمدّ البصر إلى لواء بني عبيد والمزار والكورة والوسطية وبني كنانة …… وتلّ إربد ليصدح في سمعك صوت عرار يخلّد الأردن وأهله، أو تلوح لك كوفية وصفي، وتهدهدك تغريدته مع حابس وحسني فريز:”تْخَسَا يا كوبان ما أنت ولف إلي ولفي شاري الموت لابس عسكري”.
ويمتدّ نظرك غرباً نحو تلال أم قيس المطلّة على بحيرة المسيح عليه السلام، التي تنعكس على صفحة مائها الصقيل حدود فلسطين والأردن وسوريا ولبنان، ويمضي نظرك ليصعد مع صلاح الدين يقود جحفلاً من حُمر الحدق ليستأصل شأفة الصليبيين في حطين، وعيون ملوكهم الجبابرة كسيرة تلثم قدمه وتطلب الرحمة في يوم عصيب مشهود ما غاب ذكره على مرّ السنين ولن يغيب.
وإن نظرت شرقاً أطلّت عليك خيول خالد يقطع البادية عَجِلاً لنصرة أبي عبيدة في اليرموك لمواجهة جحافل الروم التي تغطي عين الشمس.
وإنْ نظرت شمالاً رأيت الرمثا ودرعا أختين لائذتين بحضرة جبل الشيخ الجليل، أو رأيت جبل العرب وسلطان باشا الأطرش يقسم أنْ يثأر ممّن ركل قبر صلاح الدين، وتكاد تسمع صيحة فيصل تردّد صداها كوفيته: طاب الموت يا عرب، أو نجدات خالد هجهوج يحصّن بردى من اجتياح المعتدين، وإنْ أبعدتَ النظر هالتك هيبة قاسيون، وتناهى إلى سمعك صهيل خيول بني أميّة وصليل سيوفهم.
هذه بيئتك يا محمد، وهذا هو وطنك، وذاك هو جرحك الممتد من إربد إلى قلعة الكرك، فالإرهاب واحد وإنْ تعدّدت الوجوه، والأبطال هم الأبطال كلّما طاح منّا سيّد قام مكانه ألف سيّد.
-لعلك يا محمد، كنت ترى بوعيك وتسمع بقلبك مَن حملوا نعشك منْ زملائك الملثّمين بكوفية الأقحوان، المسربلين بحزنهم النبيل الصادق الدفين الذي يحبس خلفه دمع الرجال السخين الثمين، وأهل قريتك من كلّ عائلاتها : الهياجنة، الزغيبات، البراسنة، السناجلة، القواسمة، البشايرة، الجمل، التوبات…..قد انصهرت خلفك أسرة واحدة تنسج حولك أوردة القلوب.
ولعلك لمستَ لوعة فقدك في صدر كلّ شريف أهاجتْ وجعه صرخة أمك أو أختك أو زوجتك لحظة خروجك، وأدمتْ قلبه الدمعات المتجمدة على وجنات نغم وليان. لكنّه الشرف الذي أبيت إلّا أنْ تتذوّق وتستعذب طعمه الدامي:
“شرف للموت أنْ نطعمه أنفساً جبارة تأبى الهوانا”.
-أمّا رفاقك الجرحى، فنقبّل أيادي آبائهم، ونلثم هامات أمهاتهم، ونتبرّك بدماء جراحهم:
“قمْ إلى الأبطال نلمس جرحهم لمسةً تسبح بالطيب يدانا”.
-أيّها الجنود الأسود، يا سياج الحدود، أنتم معقل الشرف ومعقد الأمل، بِكم نهتدي ونحتمي ونقتدي ونرتقي. تذكروا دائما أنكم عماد الوطن، وفي بطولاتكم سرّ الخلود: فهل سينسى التاريخ يوماً هيّات حابس في جنبات الأقصى؟؟ أو صولات مشهور في هضبات كرامة الغور؟؟ أو سطوات العجلوني والسلطي في أجواء النسور، وغيرهم مِن قوافل متلاحقة من الشهداء وطُلّاع الثنايا وصُنّاع الأمجاد.
المجد والخلود في الأعالي للشهداء أكرم بني البشر، والإجلال لكلّ أسد هصور يذود عن حياض الوطن، ولا يبحث عن أيّ ثمن……..
ملاحظة:
بعد الانتهاء من كتابة هذا المقال، فُجعنا بارتقاء الشهيد الجديد: محمد المشاقبة.
“وإذا ما التأم جرح جَدّ بالتذكار جرحُ”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى