السجون الأردنية / منصور ضيف الله

السجون الأردنية

يقترب المأمور من الباب : منصور ،إفراج . لم أهتم كثيرا . منذ أيام أعاني تشوشا فكريا . احتقانا ، فما رأيته وسمعته رهيب . خرجت من مهجع B 5 محملا بعشرات الأمانات .
شباب في مقتبل العمر . لم يزرهم أحد منذ شهور . ينتظرهم أشقاء أيتام أكبرهم في الثانية عشرة . والتوقيف أداري . أعترف : أنا مصدوم ومضطرب . اخذ أمين العهدة الأفرهول الأزرق . في المكتب الأخير أعادوا الهوية .
لم أكن أملك فلسا واحدا . صوب الباب الخارجي الأسود المتين أسوق خطاي . مضطرب قليلا ، مندهش ، وثمة احتقان عميق . ” أستجدي” سيجارة من الحارس الأخير ، ويمنحني سيجارتين ، يعرض بعض المال وأرفض . بين الحرية وفقدها متر واحد ، وأعبره . أنظر خلفي ، سجن الكرك ، الأسوار العالية ، الأسلاك الشائكة ، كاميرات المراقبة ، وكشافات الأنارة ، وشباب بعمر الورود ما زالوا خلف القضبان . يندفع نحوي رفيقي .
منذ ساعات يعاني الانتظار ، يعصرني بحضنه ، ويغرق في قبلات عميقة . يقترب رفيقي الآخر ، وضحكة عالية تجلجل الفضاء . أستقر في المقعد الخلفي . تندفع سيارة الهونداي أكسنت صوب عمان .
أفتح الشباك الخلفي ، وأطلق النظر في التلال الجرداء . وأغرق في سيل منهمر من الأفكار . مضطرب قليلا ، متشوش ، فثمة شيء انهار ، مات ، غادرني للأبد . لست أرغب بالمزيد ، ولكني أقول :
1_ ضرورة استصدار عفو عام ، الضرورة هنا وطنية وأمنية .
2 _ السجناء الجنوبيون على خلق طيب ، أصيلون ، كرماء . صادقون وصريحون .

أمس موعدي مع الحرية ، ما زلت مثقلا بما شاهدته وسمعته .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. الحمد لله ..حمدا كثيرا …عدد خلقه ….وزنة عرشه …ومداد كلماته …..
    ريثما تستريح …في انتظار عيدك ….وبقية بوحك …فثمة مسؤولية على عاتقك في أداء الأمانة ، وإظهار الحق ، والوفاء ….وأنت من أهل الوفاء

  2. جنوب
    أشكرك جزيلا على حثك ودعمك . من قلب ” الكرك ” سمعت قصصا كثيرة هي البؤس عينه . كانوا يسردون قصصهم في الليالي الطوال بتفاصيل التفاصيل ، ويتذوقون المرارة مع كل حرف ، ينتهي المشهد بدمعة حرى ثم دموع غزار . كم هو مؤس عجز الرجال وبكاؤهم .
    ولك سؤالان : لماذا تصرين على البث الذاتي ؟ اليست مواجع الناس مواجعنا ؟ وهل يكتمل فرح دون زغاريد الآخرين ؟ أما بيروت فهنيئا لها موهبتك ، تستحق منك كلمة ، ولبيروت البحر والتاريخ والثقافة كل الشوق.

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى