الدين للحياة

الدين للحياة
د. هاشم غرايبه

في برنامج إذاعي، يقدم فيه #المفتي إجابات عن أسئلة يسألها المستمعون، أعجبني رده على متصل شكا له جاره الذي قاطعه إثر نصح خالص قدمه له، فسأله المفتي وماذا كانت النصيحة؟، رد: لقد رأيت ابنته تنزل من سيارة رجل أوصلها لبيتها، فنصحت أباها أن يشدد الرقابة على أهل بيته لأن الزنا أكبر الكبائر، فقال له المفتي: أوذكرت الزنا في كلامك؟، قال: بلى، أليس الإختلاط نتيجته الزنا!؟.
كان رد المفتي عليه قاسيا، وعنفّه طويلا وقال له: ألا تعلم أنك تستحق حد القذف؟ ومن أدراك من يكون هذا الرجل ..فقد يكون خالها أوعمها أو ابن أخيها، فكيف تفتري عليهما أمرا لا تعلمه؟، ألم تعلم أن الله قد اشترط أربعة شهود عدول لقبول تهمة الزنا، ولو لم يكونوا إلا ثلاثة لرفضت شهادتهم وجلدوا كل واحد ثمانين جلدة؟، إن أعراض الناس عند الله مصانة، ولا يقبل أن تصبح مجالا للتندر واللوك بالألسن، ولو من باب حسن النية ودرء المفاسد.
في مجتمعاتنا الحاضرة والتي تشهد انفتاحا ثقافيا وعلميا، ومشاركة المرأة في شتى مجالات الحياة، لم يعد مفهوم #الإختلاط هو ذاته الذي كان سائدا في المجتمعات القديمة، والتي لم تكن فيه المرأة تخرج من الخيمة أو البيت إلا لجلب الماء، لذلك أي التقاء بالرجل خلال ذلك المشوار لن يكون عرضيا، وأي اختلاء بينهما لن يعتبر بريئا.
هذه النقلة الواسعة تفهّمتها غالبية الناس وتعاملوا معها بحكمة حمت المجتمع من هزة مُخِلّة بأمنه وسلامة بنيانه، هؤلاء هم الأغلبية المعتدلون، لكن هنالك أقلية هم صنفان من الناس: المتشددون المتطرفون، والمتهاونون المتراخون، يشد كل منهما الدين الى جانبه، ويسعون لتحوير تشريعاته لتوافق هواه.
هؤلاء لم يستوعبوا #التغيرات #المعاصرة، لأنهم بطبيعتهم متطرفون في فهم الأمور، فهم ضعيفو السيطرة على نزواتهم وشهواتهم، والصنفان على طرفي نقيض من حيث وجود الوازع الديني عند الصنف الأول، وغياب ذلك عند الثاني.
فأما الصنف الذين ضبطهم الوازع الديني بصعوبة عن الإنسياق وراء رغباتهم الجنسية المكبوتة، فأرادوا الحجر الكامل على خروج المرأة لتجنيبهم معاناة مقاومة هذه الشهوات، فلما لم يمكنهم ذلك، حرّموا مالم يحرمه الله من كشف وجهها، لأنه قد يثير لديهم خيالات لتصور المفاتن المخفية، وعندما قال “الشيخ كشك” رحمه الله:” لاتخرج المرأة إلا ثلاث مرات: الأولى من بطن أمها والثانية الى بيت زوجها والثالثة الى القبر”، وافق قوله هواهم، فجعلوه حكما شرعياً.
وأما الصنف الثاني الذين غلبت على نفوسهم حب الشهوات والإنسياق وراء الملذات، ولم تشكمها مخافة الله ولا ردعهم تجاوزهم لحدوده، فاستطابوا هذه القفزة، لأنها سهلت طرق الرذيلة فاستغرقوا فيها، ولم تمنعهم الأخلاق المزعومة التي يتشدقون بأنها وازع وضابط، فهي مطاطة يمكنهم أن يكيفوها لتستوعب كل الرذائل بمسميات خادعة، هؤلاء بفسوقهم أساءوا الى أنفسهم، لكنهم لم يتمكنوا من إفساد غيرهم من المعتدلين الذين يعرفون الحلال والحرام، ويضبطهم التقوى والإيمان من الإنزلاق وراء تلك المغريات رغم سهولة إتيانها.
وكان ذلك امتحانا للتقوى، فهؤلاء الذين عمر الإيمان قلوبهم نجحوا في امتحان القدرة على الصمود في وجه المغريات السهلة، فتجد الرجل والمرأة يعملان حنبا الى جنب سنوات طويلة، ولا يحدث بينهما أي تلامس مقصود، وبالطبع لا تحدث أحدهما نفسه بارتكاب الفاحشة، ليس الضابط الجدران العازلة ولا المراقبة اللصيقة، بل بما فهموه من دينهم وما تربوا عليه ورأوا ممارسة ذلك عند أبويهم وأجدادهم.
إن من يحدث نفسه بفعل الفاحشة لن يعجزه منع النساء من الخروج من البيوت، ولن يصعب الأمر عليه تغطية الوجه، فمواطنو بعض البلدان الإسلامية التي تتشدد في أمر لبس المرأة السواد وحظر الاختلاط، تراهم ما أن يخرجوا الى خارج بلدهم يتركون كل ذلك، بل ويبالغون في الملابس الفاضحة ويرتكبون كل الموبقات، مما يدل على أن الضابط عندهم هو التقاليد الإجتماعية وليس الأمر تدينا، لأن الدين ليس رداء يلبس وينزع، بل هو نفس عامرة بالإيمان، مما يجعلها صخرة راسخة، لا تقوى عليها التيارات الجارفة.
لقد ثبت بالتطبيق أنه لا القوانين ولا الأعراف المجتمعية كافية لمكافحة الرذيلة، كما لا يتحقق العفاف بالجدران العازلة والورع المظهري الكاذب، بل بترسيخ التقوى الصادق، فهو الضابط الوحيد للأخلاق والاستقامة.

اقرأ أيضاً:   وراء الخبر
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى