الحياة مدرسة

الحياة مدرسة
د. هاشم غرايبه
زارني صديق زاملته منذ كنا في مرحلة الدراسة #الثانوية، وبعد التخرج من الجامعة ظل تواصلنا مستمرا لكن متقطعا بسبب ظروف العمل.
كانت زيارته لي #مفاجأة سارة، فلم أره منذ سنوات، تحدثنا في ذكرياتنا المشتركة، رأيته ليس مستعجلا ، ولما كان المتزوجون وراءهم دائما من الإلتزامات ما لا يتيح لهم الحرية في قضاء الوقت مع أصحابهم وعلى راحتهم، أحسست أن هنالك شيئا يضايقه، ويريد أن يتحدث به معي ليفضفض عن نفسه.
ولما كنت أعلم أن أكثر ما يثقل على نفس المرء هو أمر طارئ في البيت، سببه مشكلة صحية أو سلوكية لأحد أفراد العائلة ، فتسبب الضيق للنفس والنكد في المعيشة.
فلكي أجنبه الحرج في الحديث في خصوصيته العائلية، حكيت له قصة عن صاحب لي كان يعاني من الرقابة اللصيقة من قبل زوجته، والتي تطلب منه حين عودته تقريرا مفصلا عن كل تحركاته، وبعد أن تدقق وتحسب التطابق بين الزمن والمهام المنجزة، وتتأكد أنه لا توجد فجوات في المعلومات، تفرج عنه مؤقتا الى حين التقرير التالي.
أفلحت قصتي في كسر تردده، فقال: كل الأزواج يظنون أن الزوجة قيد خانق، لكنني لم أعرف حقيقة الأمر إلا بعد أن سافرت زوجتي الى كندا قبل أسبوع لأن ابنتنا المتزوجة والمقيمة هناك على وشك الولادة.
من داخلي رحبت بالفكرة، وقلت سأرتاح شهرا من تقديم التقارير عن كل تحركاتي مثل صاحبك، لكنني شعرت بالندم منذ صحوت في الصباح التالي، فقد كنت أرى البيت مرتبا نظيفا على الدوام، وإذ به لا يكون هكذا ذاتيا: فالفراش لا يوظب نفسه بنفسه، والشباك لا يفتح من ذاته لتهوية الغرفة، وفنجان القهوة لا يجهز تلقائيا، والطبق الذي ألقيه في المجلي ظل كما هو، ولم يذهب ليصطف الى جانب أشباهه نظيفا في الخزانة.. وهكذا مع مئات الأشياء التي كنت لا أعيرها انتباها، وجدت أنها تثقل كاهلي، وفوق هذا وذاك، أنام في غرفتي منفردا كذئب عجوز، وأجلس وحدي أمام التلفاز صامتا، ..الآن هدوء بلا مناكفات لكنه ثقيل، وحرية لكنها كئيبة، فأبقى أو أخرج الى السوق لكن بلا هدف، إنني الآن استذكر قائمة الطلبات التي لا تنتهي وكنت أضيق بها.. كم أنا مشتاق لهذه القوائم!.
قلت له مسريا: مشكلة الإنسان أنه لا يقدر قيمة الشيء إلا حين يفقده، يعتقد بعضهم ان الزواج هو أكبرحماقة يرتكبها الرجل، قد يكون ذلك صحيحا إذا كان المقياس تجاريا، فهو يخسر مدخراته التي جمعها طوال ما سبق من عمره عند طلب يد خطيبته، ثم يدفع لها كزوجة كلما سيجمعه في ما بقي من عمره، حتى بعد أن يموت .. يدفع لها راتبه التقاعدي والضمان الإجتماعي والضمان الصحي!.
والأهم من ذلك كله أنه حين يتودد لها يتخلى عن رصانته وهيبته، وحين يطلب رضاها يتنازل عن كرامته!
إن كان الزواج بتلك الحسابات حماقة، فليكن ..لكنها #الحماقة الأجمل من بين كل حماقاته الكثيرة، وأجمل ما فيها أنها هي الطريقة الوحيدة للحصول على الأطفال الذين هم والمال يشكلون زينة الحياة الدنيا.
كم يخسر الرجل في حياته مالا أو هيبة أو كرامة؟، وفي أحوال كثيرة قد لا تكون الجدوى التي يجنيها تغطي ما خسره؟، وهل حقا أن هيبته ستدفيء قلبه وترضي غروره، أكثر من وجه زوجة بشوشة راضية قانعة ترى فيه كل الدنيا؟، وهل أن رصانته مهما غالبت كبرياءه ستصمد أمام رغبة احتضان طفله الذي جاءه يحبو متسلقا ساقه؟.
مخطئون من يحسبون العلاقة الزوجية بمعايير الربح والخسارة المادية، فالعشرة الزوجية ليست مثل العلاقات الأخرى بين البشر، إنها عطاء بلا انتظار المردود، وزيادة في أسهم الشراكة من غير انتظار الكسب، فكلا الشريكين يأخذ الأرباح كاملة من غير أن ينتقص من حصة الآخر..لأن سعادة أي منهما لا تأخذ من سعادة الآخر بل تضاعفها، وفي الوقت نفسه فهي لا تتقبل القسمة، إن اقتسمت ضاعت جميعها، وإن بقيت مشتركة تضاعفت في استثمارات شراكات جديدة.. زواج الأولاد ومجيء الأحفاد.

اقرأ أيضاً:   العامل البشري والثقة بالقائد في حروب المستقبل . . !
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى