الاصابات
745٬366
الوفيات
9٬635
قيد العلاج
6٬845
الحالات الحرجة
540
عدد المتعافين
728٬886

الحجه وصاحبة الفيزون بنفس الباص

الحجه وصاحبة الفيزون بنفس الباص

حسام العودات


لقد سبقنا النت وشبكاتها في تناقل الأخبار , وتثاقلت خطايانا بنميمة أسميناها تاريخا . فلم نذكر محاسن موتانا , ولم نأخذ من سيرة الراحلين الا اليسير من العبر .
تاريخنا بقبح الحطيئة وقدسيّة الشرف عند الغانيات , وقد أضفنا عليه أكاذيبنا , كما الماجي على طبخ الموظفات , فكان شعارنا منذ الأزل : ما بتنام نوريّه وتحت راسها خبر .
حافلاتنا كانت مهد الأخبار لروادها , وشاطئ العشاق لمن يبحثون عن توأم الروح بين الطالبات . فيها ذكريات من رحلوا , وفرح الخريجين بشهادة النجاح وقد غصّ ديوان الخدمة المدنية بأسمائهم ورجائهم .
فيها أخبار الولائم بين عرس ومولد وطهور , وفي ثناياها تسمع أخبار المرضى , بين شفاء لمن نجا , ولحد لمن خذله ابقراط , أو كان سقمه عضالا لا يبالي بوصفة طبيب ولا ترياق .
نعم حافلاتنا فيس بوك بلا حزم ولا فواتير , أحنّ اليها ولست ممن يعيب روّادها , فقد كبرنا فيها , ورسمنا على مقاعدها الف سهم على قلوب من أحببنا , هجرناها بذريعة الوقت , فأصبحنا خلف المقود في سياراتنا نتوسل الوكيل لخبر هنا أو حادثة هناك , بعد دهر من الأخبار الطازجة بلا جزيرة ولا مراسلين , ودون أن نضرب لها باب موعد , كما قال ( مقصوف العمر ) طرفة بن العبد , فقد مات في ريعان شبابه .
كان والدي يوما في الحافلة ما بين اربد وقريتنا قبل أكثر من ثلاثين عاما , وكان من بين الركاب عجوز وقد أدركت مكانا في ذيل الحافلة من المقاعد , ملامحها كانت غريبة عن نساء قريتنا , وقد بدت للسائلين كواحدة من أصحاب الكهف في سيرة الأولين .
مضت الحافلة في سبيلها دون أن تسأل تلك العجوز كم لبثنا . وما هي الا عشر دقائق حتى طرقت نافذة الحافلة حتى انطعج ( الشلن ) بين أصابعها . مشت والهرم يكبّل قدميها كمن يسوقونه نحو المقصلة , وكما ربّات البيوت يمشين نحو الجلي في يوم زمهرير من نشرات رؤيا ومحمد الشاكر . تناولت كيسا من تجويف صدرها يحوي دنانيرا وقد بدت خيوط العنكبوت على أطرافها , دفعت أجرتها وقد استعادت باقي الدينار بعد فزعة الجميع كالحمام الزاجل في ايصالها .
سألها والدي : وين رايحه يا حجه ؟ فأجابت : بعيد عنك في عزا عند قرايبنا , ورايحه أقوم بالواجب .
عندها قال والدي : أي والله ما عليكي عتب , وين أولادك ؟ وكيف جايّه لحالك ؟؟؟!!! بعدين والله يالله يمداهم يسدّوكي يا حجه .
غادرت دون أن تجيب عن سؤال أبي , وفي قلبها غصّة العذر المجهول , ليمتلئ الباص بعدها بعتاب والدي , كما الصخب في أفراح الرعاع .
ربما عاشت أكثر من والدي , وقد كانت أكثر حظا من فتاة الفيزون الأحمر وقد صعدت في حافلة قريتنا , فتأججت النظرات في المقل , كما البوشار في جوف الطناجر .
فتح أحدهم نافذة قرب مقعده , فصاح به آخر : ياخي سكرّ الشباك , في ناس مش لابسه كثير , بلاش تبرد .
لم أرَ استياء من تلك الحسناء على ما سمعت , فقد كانت تعرف كثيرا عن ثورة الغرائز في حضرة الفيزون , لكنّ أحدا لم يعاتب ذلك المراهق على ما قال , ففرحته لم تدم وقد نزلت في منتصف الطريق , تاركة خلفها ألف سؤال , فلم نعرف لها اسما ولا عنوان .
كان هذا عام 1984 وكنت يومها في الحافلة كما المسافر زاده الخيال , كما غنى عبد الوهاب , وما أن غادرت صاحبة الفيزون مقعدها , حتى قرأت أغنية عبد الحليم حافظ ( ظلموه ) في عيون أحدهم وقد نظر الى زوجته .
لا أدري ماذا سيحدث في قادم الأيام , فربما يأتينا زمان يقول فيه شاب لخطيبته : اوعديني حبيبتي تتستّري وتلبسي فيزون . وإنّ غدا لناظره لقريب .

اقرأ أيضاً:   زوبعة على اسفلت
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى