التقاطات .. من أيام زمان / جابر مصلح

التقاطات .. من أيام زمان
من الماضي الذي يختلطُ فيه البؤسُ بالجمالِ تتشكلُ ذكرياتٌ أشبهُ ما تكون بالكوميديا السوداء ، و منها هذا المشهد ..

حافلةٌ متوسطة .. تسيرُ بسرعةٍ جنونيةٍ بالنسبةِ لعمرها الذي يضعها في مصاف الخردةِ المتحركة ، الساعة تقاربُ الحاديةَ عشرة ليلاً ، و الركابُ جالسون .. تهتزُّ رؤوسُهم كلما ارتطمت الحافلةُ بحفرةٍ أو صعدت مطباً ، لا أحد منهم ينشغلُ بهاتفهِ النقال ، ببساطة .. لأنه لم يكن في ذلك الزمان ما يعرف بالهاتف النقال ، كانَ الهاتف الأرضي بمثابةِ مظهر من مظاهر المكانة الاجتماعيةِ المرموقة نوعاً ما .

أعود لأحبابنا ركاب الحافة ، أحدُهم ينظرُ من النافذةِ بعيونٍ كسولة ، لا يدري لماذا ، و لكنه بذلك يحسُّ أنه يخرجُ من نطاقِ دوامته اليومية بكل ما تحمله من جنون ، و آخرُ يصارعُ وزنَ رأسه كلما حاولَ السقوطَ في واحدةٍ من نوباتِ الإغفاء التي ترافقه طيلة الطريق ، و رجلٌ آخرُ قد استسلمَ للنومَ تماماً فاختفى رأسهُ بينَ كتفيه ، و تلك السيدةُ التي تبحثُ في حقيبتها عن مجهول ، ليسَ ساعة ، أو علبةَ تجميل صغيرة ، أو بعض الفواتير التي تجمعت على شكل اسطوانة و كأنها تريد أن تحتفظَ بما في داخلها من أسرارٍ مالية خطيرة .. في الواقع هي لا تبحثُ عن شيء ، و إنما هدفها هو ذات هدف الرجل الذي ينظرُ من النافذة ، و رجلٌ عجوزٌ قد أنهى كل مشاكله و لم يبق لديه إلا مشكلةُ عصاه ، فيملُّ من يراقبُه و هو يحركها مراراً بحثاً عن مكانٍ تستريحُ فيه من تعب رفقتِه ، و لعلَّ ذلك الملل كان بادياً على ملامح الشاب الذي يجلسُ بجانبه .

اقرأ أيضاً:   الفطر الخبيث والحميد

و هناك على المقعد الخلفي مجموعةٌ من الأصدقاء الشباب قد اجتاحتهم نوبة ” خفة الدم ” ، ربما لجذب انتباه تلك الفتاةِ التي تجلسُ في المقعد الذي أمامهم .

و عند البوابة يقف المبجل ( الكنترول ) ، يعدُّ الغلةَ تارةً و يشعلُ سيجارةً تارةً أخرى ، ثم يسأل زبوناته عن أماكن نزولهن في محاولة منه لإظهار لباقته .

اقرأ أيضاً:   البطالة وتمكين الشباب ومجلس النواب

و في الأمام يجلسُ ( الكابتن المحترف ) يخرجُ يدهُ – التي لا تفارقها السيجارةُ – من النافذة ، و ينظرُ كل فترةٍ من مرآة الوسط ليطمئن على حال زبائنه الطيبين ، ثم يشفق عليهم ، و يقرر أن يقدمَ لهم تسليةً و لا أروع ، فيشغل لهم أغنية ” كتاب حياتي يا عين ، ما شفت زيو كتااااب ، الفرح في سطرين ، و الباقي كله .. عزااب .. عزاااااااااب .. عزااااااااااااااااااااااااب ” !!!!!!!

اقرأ أيضاً:   تونس بين ثورة الياسمين، وأشواك المتآمرين
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى