البيع الحلال والبيع الحرام..

#البيع #الحلال والبيع #الحرام..
بقلم: د.فلاح العُريني.
كثيراً مانقرأ على مواقع التواصل الاجتماعي أن فلاناً يرغب ببيع كليته، أو قرنيته، أو حتى قوقعة إذنه، وربما الزائد من شرايينه واوردته، وقد يصل به أن يذكر في اعلانه التجاري بيع مساحة معينة من جلده الخارجي..
دعونا نقف عند مثل هذه الاعلانات وقفة شرعية وقانونية ووطنية..
دعونا نبحث في عمق مثل هذه الاعلانات وبعدها والغاية الحقيقة منها..
يتبادر إلى أذهاننا مجموعة من الإسئلة:
لو وجد صاحب العرض ثمناً مناسباً لمحل البيع (الكلية، القرنية، القوقعة،….) هل سيوقع العقد ويبيع..؟
طبعاً الاجابة بالنفي… ولكن لماذا؟
نحن شعب كرمنا اللهُ بالاسلام، ونلتزم بأوامره، وننتهي بنواهيه، ونعلم أن نية بيع اعضاء الجسم محرمة شرعاً، حتى التبرع في الاعضاء المنفردة والتي ستؤدي بالتأكيد إلى الوفاة أو تعطيل عمل جسدي بشكل كامل محرم شرعاً أيضاً، هذا السبب الأول لنفي نية البيع، أما السبب الثاني أن طبيعة النفس البشرية تبحث في ديمومة الحياة واكتمالها، وتلهث خلف أمل البقاء المستحيل، وتميل النفس إلى اكتمالها رغم نقصها الدائم وديمومة الانتقاص..
إذن ما الغاية من هذه الاعلانات، والهدف المنشود رغم إنتفاء نية البيع؟
قبل أن نجيب على هذا السؤال، علينا أن نذكر أن القانون الأردني شأنه شأن الكثير من القوانين الوضعية جرم الاتجار بالاعضاء البشرية، وجعل منها جريمة ترتقي لمرتبة الجناية، وشدد عليها العقاب، وذلك حفاظا للنفس ومنعاً لانتشار الجريمة..
هذا وقد عد المشرع الأردني نزع الأعضاء البشرية من صور الإستغلال في جريمة الإتجار بالبشر حيث نص المشرع الأردني على جرم نزع الأعضاء البشرية وعدها من صور الإستغلال في جريمة الإتجار بالبشر حيث نص في المادة (3 / ب) من قانون منع الإتجار بالبشر الأردني على هذه الجريمة ضمن صور أخرى بقوله : تعني كلمة (الإستغلال) استغلال الأشخاص في العمل بالسخرة أو العمل قسرا أو الاسترقاق أو الاستعباد أو نزع الأعضاء …إلخ) مجاريين بذلك البروتوكول الدولي لمنع وقمع الاتجار بالبشر لعام 2000.
كما أن المشرع الأردني كان قد نظم نقل وزرع الأعضاء البشرية بموجب قانون الإنتفاع بأعضاء جسم الإنسان رقم (23) لسنة 1977.
و تظهر تجارة الأعضاء البشرية أيضا في عدة صور لم يتم النص عليها في القوانين السابقة وإنما وردت وجرى تجريمها في قانون العقوبات الأردني.
وعليه فإن جريمة الإتجار بالأعضاء البشرية كصورة من صور جريمة الإتجار بالبشر متخذة من قانون منع الإتجار بالبشر الأردني و قانون الإنتفاع بأعضاء جسم الإنسان الأردني و قانون العقوبات الأردني أساسا لها.
وحتى يتم تفعيل هذه النصوص القانونية وتطبيقها بحق المجرم، لابد من توافر اركان الجريمة جميعها، سواء الاركان المادية، أو الركن المعنوي وهو هنا يتمثل بالقصد الجرمي واتجاه نية الفاعل لبيع اعضائه البشرية، وهذا ما قمنا بنفيه في باكورة حديثنا هذا..
لنعد الآن للاجابة عن السبب الحقيقي للترويج والاعلان لبيع الشخص لاعضائه البشرية..
فما دام الهدف الحقيقي ليس البيع، وعدم اتجاه ارادة الشخص لعقد البيع اطلاقا، فإن السبب الحقيقي يتمثل بأمرين لاثالث لهما:
السبب الأول:
مايسمى بالباعث، وهي عبارة عن رسالة شأنها شأن الإعتصام أو الإضراب عن الطعام تم اختيارها كطريقة مشروعة للتعبير عن رأي فاعلها ومحاولة منه لايصال رسالته لصناع القرار في العاصمة والذين عجزوا عن الوصول إلى مستنقعات الظلم والفقر والذل والهوان في قيعان القرى والبوادي والارياف والمحافظات النائية.
ففي ظل غياب النائب الحقيقي والمسؤول المؤتمن، اصبح المواطن هو ساعي البريد الحقيقي في ايصال رسالته..
إذن أي اعلان يتمحور حول نية المواطن بيع أحد اعضائه لايقع اطلاقا تحت مطرقة قانون الاتجار بالبشر، لانتفاء القصد الجرمي، وعليه يجب التعامل مع مثل هذا الاعلان بروح المسؤولية والتكيف معها من قبل الجهات الأمنية والقضائية كحالة حقيقية من حالات حرية التعبير المشروعة في ايصال الرسالة..
السبب الثاني:
مايسمى بالباعث الدافع، واقصد بذلك العامل الرئيسي الذي دعا لهذا السلوك، أو بعبارة أخرى محتوى الرسالة التي يريد المواطن ايصالها..
إنه الفقر والعوز والجوع، وانعدام القدرة على الحياة بسبب تنامي الفساد والتغول على كرامة المواطن وحقه في العيش الكريم، وعدم احترام الكفاءة وهدم ميزان العدالة في التعيينات، والتغول على الأموال العامة والتطاول على الحقوق المكتسبة..
كل ماسبق جعل المواطن يبتكر طرقاً واساليباً حديثة للتعبير عن رأيه وايصال رسالته..
ولانعدام الممثل الحقيقي للمواطن، اصبحت رسائلنا تصل من خلال:
محاولات الانتحار، الاعلان عن بيع جزء من الاعضاء، المسيرات، الحرق،…..الخ.
إلى متى سيستمر مسلسل الاذلال وارهاق النفس البشرية؟
والان دعونا نختم هذا المقال بالمقارنة التالية:
اولاً: إذا كان هنالك قانوناً يعاقب على الاتجار بالاعضاء البشرية، اليس من الضروري أن يكون هنالك قانوناً حقيقياً وعقاباً رادعاً على الاتجار بالاعضاء الوطنية؟
فبيع الكلية والقرنية والقزحية والقوقعة ليس بأهم أو اكثر خطورة من بيع الفوسفات والبوتاس والإسمنت الأردنية.
ثانياً: قال الرسول صلى الله عليه وسلم:
“إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه”.
فكل مايفعله المواطن الأردني من القاء نفسه بالتهلكة ما كان ليكون لولا الاكراه وضنك العيش ومطرقة الفقر وسندان الظلم، فإذا الخالق قد غفر وبارك فمن هو المخلوق ليقيم حداً تجاوز عنه رب السماوات والأرض!!.
ثالثاً: إذا كان عمر بن الخطاب وهو صحابي جليل قد رفع حد السرقة في زمن الفقر وجفاف الأرض، فمن نحن حتى لا نجعل من الفقر وجفاف الوطن عذراً لكل ذي فاقة!!
رابعاً: في الزمن الذي آمنا فيه بكتاب الله وسنة رسوله فيما يتعلق بتحريم الاتجار بالاعضاء البشرية، أين نحن من الايمان بالله وبتحريم الربا واستغلال حاجة الشعب للمال ولقمة العيش!!
خامساً: ليس على المريض حرج، وليس على المجنون حرج..
فقياساً على ذلك لاتحاد العلة فإننا نجد أنه:
ليس على الفقير حرج..
ليس على الجائع حرج..
ليس على المظلوم حرج..
ليس على المضطهد حرج..
اللهم ارحمنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى